رواية الرهينة
اعزائي هذه الرواية الشهير هي من افضل عشرين رواية في القرن العشرين
حازت على عدة جوائز وترجمت الى حوالي اربع لغات عاليمة
هي للقاص اليمني ( زيد مطيع دماج رحمه الله )
كم هي جميلة هذه المدينة! شاهدتها لأول مرة عندمالا أخذت من قريتي ووضعت في قلعتها (القاهرة) بين رهائن الإمام.
أخذني عكفة الإمام ذوو الملابس الزرقاء , عنوة من بين أحضان والدتي ومن بين سواعد أفراد أسرتي المتبقين .
لم يكتفوا بذلك بل أ خذوا حصان والدي تنفيذا لرغبة الإمام .
كان يوما معتدلا , خفت فيه حدة هطول الأمطار لتتيح لنا مشاهدة المدينة والقرى البعيدة المتلألئة فوق الجبال , كان الجو صافيا . إنه علان شهر التأهب للحصاد . كنت مع زميلي الدويدا لدويدار الحالي كما يسمونه , على سطح دار النائب العالي , لا أدري لماذا أحببت صداقته , ربما لتقارب السن , وربما لعملنا المشترك .
كنت قريب العهد في منزل النائب , نائب الإمام و عامله على المدينة وما يتبعها , عندما أخذوني قسرا من قلعة القاهرة , معقل الرهائن.
وأدخلت من بوابة قصر النائب وأنا أتذكر نظرات الازدراء التي ودعني بها زملائي الرهائن . كنت على علم بأن بعض الرهائن قد أخذوا إلى قصور الإمام وبعض نوابه وأمرائه دوادرة . وكنت أسمع أن بعضهم قد تمكن من الفرار والبعض قد فشل , فكبلوه بالقيود الحديدية في قلعة القاهرة مدى الحياة . الشيء الذي لم أكن أعرفه هو معنى الدويدار وما هو عمله ? ولم أكن أعي أي تفسير يقال , ربما لصغر سني .
- من شروط الدويدار أن يكون صبيا لم يبلغ الحلم . هكذا كان يقول أستاذنا الفقيه السجين أيضا معنا , والمكلف بتعليمنا القرآن والفروض والطاعة في قلعة القاهرة معقل الرهائن .
- يقوم الدويدار حاليا بعمل الطواشي وعندما تبدو علينا الحيرة يقول :
- والطواشي هم العبيد المخصيون . فنزداد حيرة أكثر .
- والخصي , هو من تضرب خصيته . ونحتار أكثر أيضا من جديد متألمين لهذا العمل القاسي فيقول :
- لكي لا يمارس عملا مشينا , جنسيا , كمضاجعته نساء القصور , أي بمعنى آخر يجب أن يكون فاقدا لرجولته , أي بمعنى آخر , عاجزا . ونحتار أيضا , فنقول :
- هذا يكفي , مفهوم ?
- غير مفهوم يا سنا الفقيه . يقوم غاضبا لردنا الجماعي الذي كان يعتبره وقحا أو وقاحة , ونصيح بنشيدنا المعتاد :
- غفر الله لك يا سيدنا , ولوالديك مع والدينا , إلخ .
كان بعض الرهائن ممن مارسوا أعمال الدويدار ثم عادوا إلى قلعة القاهرة مرة أخرى لبلوغهم الحلم كما يقول الفقيه : يحكون أشياء غريبة وعجيبة علينا . وكنت ألاحظ أن معظم العائدين منهم إلى القلعة قد تغيرت ملامحهم , حيث غدوا مصفري الوجوه بالرغم من ظهور نعومة شاملة في أجسامهم مع شيء من الترهل وذبول في غير أوانه .
كنت ألاحظ أيضا اهتمام حرس القلعة بهم , هؤلاء ناعمي الملمس رقيقي الأصوات , بملابسهم النظيفة المرسلة حتى الأرض , وبتلك الكوافي المزركشة التي حاكتها نساء القصور فوضعوها على رؤوسهم لتخفي شعرهم المجعد الممشط , الذي تفوح منه رائحة الدهون المعطرة التي يستنشقها بلذة أفراد الحرس , والفقيه مدرسنا أيضا الذي يبالغ في مراعاته لهم بسماجة أكثر مما يلزم , مما كان يدفع ببعضنا للاحتجاج والتذمر لهذه المعاملة المتميزة فيصيح غاضبا :
- أوباش , اخرسوا يا متوحشون , أعوذ بالله من أشكالكم وطباعكم أيضا !
- .. غفر الله لك يا سيدنا , ولوالديك مع والدينا , يا حنان يا منان . وينفض الرهائن من الدرس ويتجهون إلى سطح السور المطل على المدينة يمرجحون سيقانهم في الهواء , وينظرون إلى الأفق البعيد , كل يبحث عن قريته وراء الجبال .
كان الفقيه مدرسنا , رغم وجود العصا في يده , لا يجرؤ على رفعها على أحد منا . حاول مرة وضرب بها أحد الرهائن , فأدى ذلك إلى كسر ذراعه ونتف لحيته , ولم يعاود ممارسة ذلك مرة أخرى .
عندما وصلت إلى دار النائب , فرح صديقي الدويدار بي , وغمرته سعادة لم أكن أتوقعها . وبدأ يعرفني على كل جزء من القصر الواسع وملحقاته , وكنت أصادف , وأنا معه , نساء من مختلف الأعمار وعلى مستويات متفاوتة من الجمال والهندام وحسن الملبس .
كنت أنزوي عندما كان يقوم بتعريفي بهن :
- هذه عمة النائب .
- ...
- هذه ابنة النائب .
- ...
- وهذه أخت النائب , المطلقة .
- ...
- وهذه زوجة النائب الثانية .
- ...
- وهذه الأولى .
- ...
- وهذه الخادمة الجديدة , إنها جميلة كما ترى , أليس كذلك ?
- ...
- وهذه القديمة .
- ...
- وهذه التي تحلب الأبقار .
- ...
- وهذه المربية , مربية الأطفال , و و و .
ولم أكن أجيب أيضا , كنت أنكمش حين يربتن كتفي , وأنفر حين تمتد أيدي بعضهن لقرص وجنتي أو فرك شفتي بتلذذ .
كنت أتقزز من ذلك , بينما كان زميلي يضحك ملء شدقيه ويهرع بي من السلالم الواسعة المرصوفة بالحجارة المربعة ليقودني إلى الحمام التركي . سراديب وقباب وممرات كلها مرصوفة أيضا بالحجارة المربعة السوداء , ملحمة " بالقضاض " المصنوع من النورة البيضاء .
لبخار يتصاعد بكثافة عند القمريات الرخامية الجاذبة للضوء , ترددت في الدخول , لكن زميلي قال :
- لا تخف , ليس اليوم للنساء !
- للنساء أو الرجال , لن أدخل هذا المكان مرة أخرى .
- هل تعرف أننا الوحيدان في هذا القصر الذي يحق لنا دخوله في أي وقت ? سواء كان ذلك يوم النساء أو يوم الرجال ?
شعرت بجسمي يقشعر وقلت :
- لن أدخله أبدا .
قال وقد جذبني خارجا نحو إسطبل مهجور للخيل :
- سوف تدخله مستقبلا !
بدأ يشوقني بحكايات لمشاهدات عاشها داخل ذلك الحمام وعن النساء , الكبيرات والصغيرات والعوانس منهن بالذات , وكيف يغمرهن الفرح بمقدمه لخدمتهن .
كان إسطبل الخيل واسعا , تنبعث منه رائحة ذكرتني بسفل منزلنا في الجبل , رائحة روث وبول البقر والثيران ممزوجة برائحة التبن والعجور , وأصوات الدجاج المنزعجة لقدومنا بينما كانت تنبش بأظفارها أكوام السماد باحثة عن الحشرات . كم كان والدي حريصا على بقاء النواقيس النحاسية على رقاب الثيران !
كان وقع أصواتها الموسيقى يطربني كلما مررت بسفل دارنا , أو في المراعي أو عند النبع . حتى الجمال والحمير في جبلنا كانت تعلق على أعناقها تلك الأجراس النحاسية القديمة التي تحذر الناس والأطفال بالذات في الطرقات والأزقة . لم أشاهد في إسطبل النائب , ذلك الواسع , سوى بغلتين فقط , أما أبقاره الحلوب , فهي في مكان قريب من باب قصره الخلفي . وعندما تملكتني الدهشة أسعفني زميلي الدويدار بالإجابة قائلا :
- الخيل يأخذها الإمام وولي عهده سيف الإسلام الأمير , إلى قصورهم , ولا يبقون سوى بعض البغال والحمير .
- ولكني لا أجد حمارا واحدا ?
- أمثالي وأمثالك , والآخرين !
لم ترق لي عبارته التي كان يعدها نوعا من الممازحة الظريفة , وقد توقفنا عند باب الإسطبل لنواجه فناء القصر الواسع حيث اكتشفت أنه مكون من عدة قصور , منها القديم ومنها الجديد . قال زميلي :
- تلك الدار القديمة المبنية بالآجر , مخصصة لأخت النائب المدللة والمطلقة وهي جميلة .
- وكل هذا من أجلها ?
- لأنها من أم أخرى , تركت لها والدتها ثروة أكبر من ثروة والد النائب .
لم أسأل بعد ذلك , فقد انشغلت بالتطلع إلى الأماكن الأخرى فقال :
- اسمها حفصة , الشريفة حفصة . أطرقت مستمعا , فتمهل قليلا ثم قال بعد أن بلع تنهيدة كانت ستخرج من جوفه :
- استطاعت بثباتها أن ترغم ابن عمها على أن يطلقها , وظللت مستمعا فاستمر قائلا :
- وحدثت أزمة كبيرة , تدخل فيها مولانا ولي العهد لصالحها . لم أجبه وإن كنت قد حاولت التساؤل عن سبب الطلاق لكنه استرسل مجيبا :
- كان زواجها من ابن عمها في صالح النائب . هززت كتفي فاستمر قائلا :
- لأن النائب متزوج بأخت ابن عمها . ابتسمت لهذه الفازورة اللغز , فقال :
- وخوفا من أن يؤول الميراث إلى الغير , تم الزواج , وسيكون الإرث متوازنا . أعنت اهتزاز كتفي بابتسامة استفسار فقال :
- لكنها رفضت ابن عمها منذ الليلة الأولى , كان يسهر عادة حتى الفجر مع القات . نفضت جمود استفساراتي بأن قلت سريعا :
- ألهذا السبب تم الطلاق ? ابتسم وقد انتشى لحضوري المباشر معه قائلا :
- ليس هذا هو السبب , هناك أسباب أخرى مهمة , منها , عجزه التام عن نيلها , لضعف فيه متأصل , ولكبر سنه أيضا , فلديه عدة زوجات وعدة أبناء لا حصر لهم .
لم أندهش لذلك ولم أستفسر أكثر من اللزوم , فقال ونحن نمشي نحو ذلك المنزل وقد شدني كلامه :
- هي صغيرة , أصغر أبناء العائلة . وكان والدها يحبها ويدللها , محبة في والدتها التي كانت أصغر زوجاته وأجملهن وأكثرهن ثراء .
لم أشعر بالإرهاق ذلك النهار , بالرغم من أن صاحبي قد جال بي معظم جوانب عالمه العجيب . كان فرحا ومرحا , متشبثا بي , تغمره السعادة لوجودي معه , فكم أصوات نادته دون أن يجيبها , أو يأبه لها !
كانت غرفته تقع في منعطف أحد السلالم الواسعة , جذبني إليها وهو يقول :
- هذه غرفتنا .
- غرفتنا ?
- نعم غرفتنا !
يكتب زيد مطيع دماج كما يرى أو كما يتذكر وينقل أحاسيسه ومشاعره بحرفية من يضع في الكلمة كل شيء , فهي الجسد وهي المكان وهي الضائقة وهي الفرج وهي أخيرا الملجأ المطمئن الذي يأوي إليه ليحميه من كل أشكال المخاوف التي تحدق به في عالم غير مقتنع به يحاول مرعوبا مسحورا أن يكشف أسراره ويفك طلاسمه بروح طفل حذر جريء , عيناه تبرقان كشفرة خنجر يماني .
اتجهت صوب النافذة الصغيرة الوحيدة داخل الغرفة , استرحت مقرفصا بجوارها وأمعنت النظر بعد ذلك في داخل الغرفة . كان قد خرج فجأة . في الغرفة فراش صغير قد برز التبن المحشو به من ثقوب عدة , ولحاف شبه صوفي أسود اللون معطف عند مرقد رأسه فوق مخدة متسخة يكسل أن يغسل كيسها القطني المزركش . يحف بزاويته تلك , صندوق خشبي ملون بأصباغ رخيصة , قد وضعه بجانب الفراش المهترئ لمنعه من الانزلاق أثناء نومه , ويسهل عليه فتحه متى شاء , ويحفظ بداخله ملابسه وأشياءه الأخرى .
توقف نظري عند بعض الصور التي ألصقها على الحائط , ولا أدري كيف استطاع لصقها وإن كان يخامرني الشك بأنه قد استعمل في ذلك لعابه .
صور متكررة لفتيات جميلات ذهبيات الشعر , زرق العيون لم أشاهد لهن مثيلا في حياتي .
قال لي مرة إنه يقوم بقص صورهن من بعض الصحف والمجلات التي تصل إلى النائب والمجلات التي تصل إلى النائب من بلاد مدخل , كانت هنالك أيضا بعض صور لأشخاص بألبسة عجيبة , كان يقول كالمعلم العارف :
- هذه صورة الفوهرر , هتلر , وهذا موسوليني , ملك الطليان , أما هذا الشيخ الوقور فهو المختار , عمر المختار . كان مزهوا بأنه يعرف الكثير مما أجهل , فيزداد تعاليا عندما يكلمني عن سماعه لأخبار العالم من مذياع النائب , وبأنه الوحيد الذي يقوم بتشغيل ذلك الجهاز الذي يلتف لسماعه حشد كبير من الناس داخل القصر وخارج أسواره أيضا , يعرف كل الأوقات وجميع المحطات والرموز والألغاز , كان يضحك مني ساخرا وهو يقول :
- الآن ستدق ساعة بيغ بن معلنة الساعة الرابعة مساء بتوقيت غرينتش .
- الآن موعد تعليق يونس بحري من إذاعة برلين . كنت أضحك بتعجب لهذا الكلام الجديد على . أحضر لي فراشا ولحافا , وسألني , قبل أن يلقي بهما من على كتفه , عن أي زاوية أختار داخل الغرفة , وأجبته مازحا :
- الضيف في حكم المضيف . ضحك وقد رمى الفراش واللحاف في الزاوية المقابلة له , ثم جلس بجواري , وبدأ يحكي من جديد :
- أنت لا تعرف طبعا صندوق الطرب ? لويت شفتي مستغربا للكلام الجديد , فقال :
- صندوق الطرب , عبارة عن جهاز , أكبر من الراديو , لكنه يصدر الأغاني الجميلة , للقعطبي و العنتري و الماس والشيخ على أبو بكر
في الحقيقة سرد لي أسماء ربما سمعت عنها فقط , لكنني لم أسمعها تغني مطلقا , وسرد لي أسماء أخرى عرفت فيما بعد أنها لمطربين من بلاد العرب الأخرى . لا أدري ما الذي دفعه بحماسة لجذبي والسير بي إلى مكان رائع في القصر , مرتب في غاية النظام والنظافة , وأجلسني على مفرشة فارسية ثم أشعل لمبة غازية عرفت أنها لمبة الألف المضيئة بشعلتها الدائرية التي كان لدينا في منزلنا واحدة منها أخذها جدي إلى ديوانه من حملة لحج مع سعيد باشا القائد التركي . وكانت تضاء لنا في شهر رمضان فقط , وقد أخذها العكفة والسواري فيما أخذوا من بيتنا .
وبدأ صاحبي يحرك صندوق الطرب الكبير المصنوع من خشب الأبنوس , ووضع الأسطوانة الأولى والثانية والثالثة , حتى بدأت أمل فتثاءبت . عدنا , وبدأ يكمل مشواره من جديد , فقلت متأدبا :
- ألا ترى بأننا سنمكث معا وقتا طويلا , وأخاف أن لا نجد ما نتكلم فيه مستقبلا ?! ضحك وقد غشي الظلام المدينة والقصر وغرفتنا أيضا , حيث لم يكن لديه ما نستضيء به سوى فانوس صغير قد علاه الصدأ مرميا في زاوية من الغرفة , تعلوه الأتربة والأوساخ , والحشرات الميتة , فأصبح وجوده وعدمه سواء .
ارتمى على فراشه بعد أن اطمأن على وضعي . وبرغم التعب والإرهاق لم أستطع النوم , ظلت عيناي مشدودتين إلى النافذة الصغيرة والوحيدة الصادر منها ذلك البصيص من نور النجوم . سمعت وقع أقدام على السلالم , خفيفة وحذرة , توقف ذلك عند باب الغرفة غير المقفل بإحكام , ثم سادت لحظة صمت سمعت خلالها صوتا خافتا ينادي :
- عبادي , عبادي , يا عبادي , يا حالي , بس , بس . كتمت أنفاسي وقد أحكمت اللحاف حول وجهي , شعرت به قام من مرقده .. وتكرر الصوت هذه المرة من داخل الغرفة . تأكدت أنه قد قام مضطربا ثم بترو قال :
- من ? ماذا تريدين يا زهراء ? لم تجبه , بل شعرت أنها قد اقتربت منه وجلست بجواره بينما قال :
- ألا ترين أن لدي ضيفا هذه الليلة ?
- أعرف ذلك , وما الذي جعلك ترقده لديك , ففي الدار غرف لا حصر لها كعدد أيام السنة . لم يجبها , وشعرت بعد ذلك بأنها تقترب منه أكثر , تحول همسها إلى فحيح ملتهب . كان يحاول أن يثنيها متعللا بوجودي ولكن كل محاولاته باءت بالفشل , وأصبح الفحيح مشتركا .
لم أشعر بالخوف من حياتي كهذه الليلة , وانتهى الفحيح لتأخذ منه قبلة علا صوتها مدويا مما جعله ينزعج خوفا من أن أكون متيقظا .. وتسللت خارجة . شعرت به يتوجه نحوي بعد ذلك ليطمئن , ثم همد راقدا وقد علا شخيره ليطغى على أصوات الديكة وكلاب المدينة التي زادت من سهادي .
وتجلجلت مع الفجر أصوات العساكر والحرس بأنشودة الصباح الباكر المعتادة .
- يا لله رضاك , يا لله رضاك . وأرضى علينا برضاك .
- واحنا طلبناك عظيم الشأن . يا فاتح أبوابه .
نهضت من نومي الساهد , كالمضروب , جميع مفاصل جسمي منهكة , فتحت النافذة الصغيرة لأرى شبه سحابة وباء صفراء تخيم على المدينة .
كان صاحبي قد نهض مبكرا قبلي بعد أن رتب فراشه , ثم عاد وفي يده جمنة صغيرة من القهوة وجفنة وألقى بتحية الصباح باسما كعادته .
- عساك نمت مرتاحا . هززت رأسي مجيبا . أصلحت من ملابسي , واتجهت معه إلى دكة العساكر عند البوابة الرئيسية للقصر , شعرت بأن ذلك أنسب مكان يلائمني حتى تنتهي هذه الوحشة .
هززت رأسي مجيبا . أصلحت من ملابسي , واتجهت معه إلى دكة العساكر عند البوابة الرئيسية للقصر , شعرت بأن ذلك أنسب مكان يلائمني حتى تنتهي هذه الوحشة .
كان العسكر خليطا من جند نظام وجند براني ببنادقهم الموزر والصابة والبشلي الطويلة , وكان جند النظام أكثر دقة وانضباطا , حتى في مظهرهم ومرقدهم ومأكلهم ومشربهم .
كان كاوش جند النظام على يمين البوابة , تعلوه غرفة حراسة يسكنها البورزان الذي قيل بأنه احتلها نهائيا ورفض الخضوع حتى لأوامر النائب بإخلائها .
أما كاوش جند البراني فكان خارج البوابة على يسارها يطل على الميدان الفسيح الذي تطل عليه شجرة طولقة عملاقة من الجانب الآخر تظل سبيل ماء تعلوه قبة صغيرة بيضاء ورواق مصلول بالحجارة يقوم النائب فيه بأستعراض شكاوى الرعية اليومية مع عسكره وكتبته وحشمه وخدمه .
استقبلني الجند نظاما وبرانية بكرم واضح اندهش له صاحبي , ويبدو أنهم كانوا من منطقتي , يعرفون أسرتي , وابن من أكون . واتكأت على حجر كان معدا لهذا الغرض , بينما بدأت الحياة تدب في فناء القصر وملحقاته الجديدة , بعضها كانت قصورا لآباء وأجداد النائب .
وكان السور المحيط بكل ذلك عاليا , لا تنفذ منه سوى فروع الأشجار البأسقة . وبدأت النوافذ العديدة تفتح , بعضها بصوت مزعج , تشرئب منها بعض وجوه نساء بشعورهن المجعدة وبعضهن بما يغطي ذلك , مجموعة عجيبة ومتنافرة من النساء .
كان الجند قد استقبلوا صاحبي الدويدار بزامل
- يا دويدار قد أمك فاقدة لك . .. دمعها كالمطر .
كم كنت معجبا برشاقته ونشاطه .. ويبتسم ! كان ذكيا سريع البديهة قليل الكلام , حاضر النكتة , يعرف نفسية كل فرد من شخصيات القصر وملحقاته , نساء ورجالا , بل وأطفالا أيضا , كذلك عساكر البوابة , نظام أو برانية , والبورزان أيضا .
كان يحوم كالنحلة , من القصر إلى ملحقاته ثم يعود ليجلس بابتسامته المعتادة قليلا ثم يقوم من جديد يدب ويحوم , وهكذا .
جلس بعض الجند حولي يتفحصونني بدقة , وبعضهم الآخر يفرش ابتساماته الواسعة السمجة على شفتيه المتدليتين .
- نعم , مسكين ابن كامل سائق النائب المقرب , مات في حادث غامض , قيل ذلك , وفي اعتقادي أنه انتحر من أجلها , هذا اقتناعي , وهو صحيح رغم معارضة الآخرين .
- أهي قاسية إلى هذا الحد ?!
- ليست قسوة كما فهمت , إنما وجود حاجز كبير , وربما أشياء أخرى سأشرحها لك فيما بعد . لم أحاول أخذ المزيد من المعلومات منه , فقد وصلنا إلى الباب الذي فتحه بجرأة , ثم أخذ بيدي إلى الدرجات الأولى , وأنا أحاول أن أمانع وقد شعرت برهبة طاغية .
كنت أتوقع أن أجد الشريفة حفصة في كل منعطف من منعطفات السلالم الطويلة , لكنني وجدت أن الدار مليئة بنساء يمكن أن يكن من ضمن حشم وخدم الشريفة حفصة . ألقى صاحبي بتحياته على كل من التقينا بهن مع تعريفهن بهويتي الجديدة كدويدار , العملية نفسها في كل دار !
كانت المنظرة تطل على الساحة , حجرة صغيرة وخلفها باب طرقه صاحبي بأدب جم ثم فتحه قبل أن يؤذن له , وجذبني إلى داخل المنظرة المفروشة بالسجاد الثمين الذي لم أشاهد مثله في حياتي , والستائر مرفوعة والطنافس النحاسية والفضية تملأ الأرفف الجصية عرض الحوائط . كانت الشريفة متكئة على حافة النافذة في رأس المنظرة وقد برز شعرها الأجعد من خلال ثنايا منديل برتقالي اللون , وتراءى جسدها الأبيض من خلال ثوبها الشفاف الحريري , وكانت متكئة بإحدى يديها على النافذة وقد مدتها إلى الأمام , أما الأخرى فكانت على خدها وهي سابحة بنظرها وفكرها نحو الساحة . تأملت يدها , كانت مزينة بأساور من الذهب ومزركشة بالحناء والخضاب الأسود المتعرج على أنامل كالشمع الأحمر الممزوج بلون اللبن الصافي .
استدارت كنمرة مسترخية الملمس وقد أصلحت ثوبها على ركبتيها وغطت ساقيها . كنت خلف صاحبي , صاحبي هذا الذي سيورطني في مواقف حرجة أنا في غنى عنها , لمحت نظرتها نحوي مستفسرة بهاتين العينين الواسعتين المكحلتين بجاذبية متوهجة , لكنها أشاحت نحو صاحبي , وبدأت تحادثه وكأن لا وجود لي ! احتفظت بمكاني خلف صاحبي بأدب وحياء فرضا على , ولم أحاول حتى مجرد التدخل في تنبيهه لكي نغادر هذا المكان المهيب , وبعد فترة قالت بصوتها الرخو العظيم :
- من هذا ?
- دويدار جديد يا مولاتي .
- من أين جيء به ?
- من القلعة .
- هه . رهينة ?
- نعم .
وسادت فترة صمت . كنت في مكاني خلف صاحبي مطرقا بنظري نحو الأرض متأهبا للمغادرة في أي لحظة يسعد بها صاحبي .
اقتربت منا فجأة وقد امتشق قوامها كأنها شمعة ملونة تذيب كل نشوات اللذة الطاغية . لمست بيدها رأسي وقالت :
- ما اسمك ?
لم أجبها , فأسعفني صاحبي بلباقة الدويدار .. نظرت إلى وكنت مشدوها بها , لم أجبها أيضا ولم تحاول تكرار ذلك .
وغادرنا المكان وكأن أحد جبال اليمن الكبرى قد انزاح عن صدري .
لم أنم تلك الليلة . تقلبت من زاوية إلى أخرى , أصلحت مخدتي تحت رأسي عدة مرات دون جدوى , قمت إلى النافذة , شبه النافذة لأتأمل النجوم وبصيصا من ضوئها , مع أصوات متفرقة وبعيدة لكلاب تنبح , ولكن دون جدوى .
صورتها ما زالت أمامي رغم كل ذلك , بصوتها الرخو المبحوح الذي يملأ مسامعي . تخيلتها بابتسامتها المتسائلة عني ? عمن أكون ? ابن من أنا ? ما اسمي ? ومن أي منطقة أتيت ?
- لا داعي لرهائن القلعة . ونطق البورزان وقد مسح ساقيه بيديه بعد تناول الفطور المشترك :
- لماذا اختاروك ?
- لا أدري !
- ألم ترفض ?
- ولماذا ?
- لأنك ستكون دويدارا .
- قلت لنفسي : أهرب من سجن القلعة إلى المدينة . نهض وقد نظر إلى بشزر ثم قال :
- لا يبدو عليك أنك تفهم عملك الجديد .
- ما هو ?
- ستعرفه قريبا !
وأقبل أحد الخدم يبحث عني , أخذني معه بين قهقهة العساكر المصحوب بزاملهم المعهود , وسرت خلفه . قال لي ونحن نرتقي أول درجات سلم القصر :
- مولانا النائب يريد أن يراك .
لم أكترث وإن كنت أتوقع شيئا ما . اجتزنا عدة طوابق حتى وصلنا إلى منظرة النائب الفخمة ذات النوافذ الواسعة والعقود الملونة التي تعلوها , كان متكئا بكرشه المنفوخ وبعينيه الجاحظتين وشفتيه المتدليتين كأن ورما خبيثا أصابهما , وقد مد رجليه القصيرتين واللتين عكف عليهما صاحبي يدلكهما برفق ورتابة بأنامله , تخيلته محترفا في صنعته .
كانت المذاعة المنيبر تحدث صوتا نتيجة لنفخ النائب لقصبتها الطويلة فيخرج من فمه دخانها في الهواء , كانت جمنة القهوة القشر أمامه يرشفها بوسط صينية بيضاء . سألني عن اسمي , وعن اسم والدي , ومن أي منطقة أكون .
تكرم صاحبي بالإجابة بأدب واتزان , وكفاني مؤونة ذلك الرد . ظللت واقفا كما أنا , وصاحبي ما زال منهمكا بتدليك قدمي النائب بأنامله .
وكان بعض حديث يدور بينهما لم أستوعبه لانشغالي بالنظر بانبهار إلى التحف والطنافس التي تملأ المنظرة , منها سيوف مذهبة , وكتابات مزخرفة تغطي معظم أرفف المنظرة وجدرانها . وفجأة سألني النائب مباشرة .
- كم عمرك ?
- لا أدري .
- أولم يؤرخ لك في مصحف أو كتاب ?
- الفقهاء في بلادي يؤرخون لأولادهم فقط .
- وأنتم ?
- نؤرخ لمواسم الزراعة .
لا أدري هل أعجب النائب بردي هذا أم أنه امتعض له , حيث تململ من مكانه ونهض , فنهض صاحبي وأخذ بذراعي ونزلنا معا درجات القصر . قلت له وقد أشرفنا على الساحة :
- ماذا كان يريد النائب مني ?
- مولانا كان يريد منك أن تباشر عملك . ونظر إلى والبسمة تعلو شفتيه ثم استطرد قائلا :
- تباشر عملك عند ... عند الشريفة حفصة ! تمالكت نفسي في عدم ظهور أي دهشة على ملامح وجهي , وقلت :
- ولماذا عند الشريفة حفصة ?
- هكذا أرادت الشريفة , وأمر به مولانا النائب .
- لكنه لم يأمرني بذلك مباشرة !
- لقد قال لي ذلك , وهذا يكفي .
- كيف ?
- اعتبره أمرا , ونفذه .
- ولكن ?
- يا زميلي , إنك لا تعرف مكانتي في هذا القصر .
- ربما , وحتى الآن !
- لا تتأثر بمظهر غرفتنا وفراشي !
- سامحك الله !
- اعتبرني الرجل الثاني في هذا المكان .
- الرجل الثاني ?!
- الغلام الأول , إذا أحببت . أطرقت قليلا , هزني من منكبي وقال :
- لماذا أنت شارد الذهن ?
- أفكر , لماذا هذا الاختيار ?
- غيرك يتمناه .
- أريد تعليلا مقنعا .
- مزاج .
- أي مزاج هذا , وهي لا تعرفني سوى للحظة عابرة !
- ربما استلطفتك .
- كنت أنت أجدر بهذا الاستلطاف مني !
- لقد سئمتني , تريد وجها جديدا .
- فقط ?
- ... وربما لتوزع أعمالي على الجميع .
- حتى العساكر , والبورزان ?
جذبني نحوه بشدة وقد علا صوته الغضب قائلا :
- ماذا تقصد ?
- كانوا يسألون عنك , عن الدويدار الحالي ! ترك منكبي وأطرق لحظة إلى الأرض , ثم قال باسما :
- ماذا قالوا ?
- لا شيء , سوى أنني كنت غير محبب لديهم .
- لا يهمونني في شيء , فهم مجرد عوانس كعوانس القصر وملحقاته .
_ أتعني ذلك ?
- ألم تلاحظ ذلك , على أشكالهم وطباعهم وحديثهم وتصرفاتهم ?!
جذبني نحو دار الشريفة حفصة .. قلت له :
- ليس من الآن .
- لماذا ?
- لم تستدعني أولا , وثانيا أريد أن أتحدث إليك حول عملي هذا .
- دويدار .
- لم أفهم ?
- دويدار , وهذا يكفي .
- يعني : خادم !
- أرقى نوعا ما .
- لم أفهم !
- ستفهم مستقبلا !
- قال لي هذا الكلام .. البورزان !
- دعك منه , فهو عانس أيضا . ساد صمت لفترة وجيزة , قلت له بعد ذلك :
- لماذا يطلقون عليك , لقب .. الحالي ?! ابتسم ثم قال :
- من الحلاوة !
- لا تمزح , فأنا جاد في سؤالي .
- ستعرف ذلك مستقبلا !
- قال ذلك البورزان قبلك !
- أسأله عن البقية إذن !
شعرت أنه قد بدأ يغضب , فلم أكرر . وبعد فترة قال لي وهو يرسم شبه ابتسامة على شفتيه :
- ألا تريدني أن أوصلك إلى الشريفة حفصة ?
- ولماذا هذه العجلة , وهذا الضجر ?
- لكي أخلص من هذه المهمة .
- أهي بالنسبة إليك تكليف ?!
- نعم تكليف . وأطرقت قليلا ثم سألته بتودد :
- وهل سأبقي معك في الغرفة نفسها ?
- لا أدري , هذا شيء متروك لها .
- أريد أن أعرف , فهذا شيء مهم بالنسبة إلى .
- سوف تقرر هي ذلك , ففي دارها ما هو أجمل وأهدأ من غرفتي , وهي صاحبة القرار .
- حتى لو راجعتها أنت , وترجيتها في أن نظل معا ?
- ولماذا هذا الإلحاح ?
- مجرد رغبة مني , اعتبره كرأم البغل لبغل أو حيوان آخر , إلا إذا كنت قد ضايقتك في خلوتك !
- سنسأل البورزان عن هذا غدا ! شعرت أنه متألم مني فقلت :
- يبدو أن حكاية البورزان قد علقت في ذهنك .
- لا , أبدا .
- ولماذا التركيز ?
- مجرد مجابرة عابرة ابتدأتها أنت .
وضعت يدي تحت رأسي مستلقيا في غرفة صاحبي , وقد تكالبت على أحاسيس ومشاعر لم أكن أتوقع حتى مجرد التفكير بها من قبل .
ولمحت لأول مرة ضوء عود ثقاب يشعل فيغمر الغرفة بضوئه , إنه صاحبي يشعل سيجارة رديئة . جلست ثم زحفت نحو النافذة الصغيرة عسى أن أرى أي شيء يومض من فوق جبلي الشامخ البعيد .
كان الظلام دامسا , لا بصيص من نور سوى أضواء النجوم البعيدة , قال صاحبي مبددا وحشة الصمت :
- أتريد نفسا ? لم أفهم مراده فقال :
- سيجارة تزيل سهادك وتخفف من أرقك .
كنت أعرف في القلعة أن السيجارة محرمة وأن من يشربها يعد كافرا وملحدا , ومع ذلك كنت قد سحبت بعض أنفاس منها مع بعض زملائي الرهائن بسرية كاملة وفي أماكن لا تخطر على بال المعلم الفقيه أو الحرس , في الحمامات الحجرية الكريهة مثلا , كنت أشعر بالدوار إثر ذلك وقد أصاب بالإغماء . لا مانع الليلة , لا بد من دوار وغيبوبة أنا في حاجة لهما لكي أنسى , وتناولت من يد صاحبي بقية لفافة ورشفتها حتى كدت أحرق أناملي .
وسبحت مع الدوار والإغماء , ولم أذكر في الصباح إلا أن صاحبي لم يعد بجانبي . أخذته امرأتان غير زهراء , جلس معهما في درجات القصر تقبلانه وتعتصران منه أشياء أخرى .
وأتذكر أنه عاد وأغلق الباب وراءه بعنف ثم نام بعمق لم أعهده فيه من قبل , لكنني أيقنت أن تلك اللفافة لم تكن من نوع ما ذقته في القلعة , هي نوع آخر ! كم هو صعب الاستيقاظ مبكرا في هذه المدينة , وعلى العكس من ذلك , الطراوة والنشاء في قلعة الرهائن المرتفعة , بالنسبة إلى . في المدينة يقوم الشخص النائم وكأنه مضروب ضربا مبرحا , متورما كأنه طبل أو جذع نخلة خاوية , مسبل العينين , يداعبه القيء والغثيان والكآبة منذ الصباح , ومن النادر أن يرغب في تناول فطوره أو قهوته , فهو لا يرغب في تناول أي شيء سوى الماء البارد , وهو نادر وإن وجد ففي أواني العسكر المبخرة .
ومع ذلك فصاحبي يقوم مبكرا كعادته رغم سعاله الشديد المبحوح طوال الليل , وشحوب وجهه مع ضعف في بدنه يتدرج في الفترة الأخيرة ويميل لون جسمه إلى الصفرة المقيتة التي توحي بقرب الأجل الحتمي .
اتجهت كالعادة , وبحذر , إلى مقر العساكر المعتاد في البوابة الرئيسية ... وهجعت في ركن بعيد نوعا ما عن سماع سماجاتهم وزاملهم الساخر , وأقبل صاحبي قبل أن يكتشف وجودي هناك , وتقبله العسكر باللطف الزائد عن حده كما خيل إلى , لكنهم أضافوا إلى لطفهم نشيدهم بذلك الزامل المعاد والمكرر .
أما البورزان فقد غضب عليه صاحبي أشد الغضب , بأن ذلك بشكل واضح وصارخ مما أدى إلى توسط الآخرين من العسكر .
وابتسمت , ولم يعر صاحبي ابتسامتى أي انتباه , بل جذبني نحو دار الشريفة حفصة . قلت له :
- لماذا هذه العجلة ?
- لكي أنهي مهمتى .
- وبعد ذلك ?
- كل في حال سبيله .
- هل ضقت بي ذرعا ?
- لا .
- أرجو أن تكون صادقا .
- ... أنا صادق , أيخامرك شك في ذلك ?
- ولكن لم هذا التسرع الملهوف ?
- لكي أنهي مهمتى المكلف بها .
- تريد التخلص مني ? حسنا ! كأنك تسوقني إلى مسلخ .
- ... لا تكن ظالما لي ولها , ففي رحابها يستظل الخير .
تسلقت من ورائه درجات الدار , كالمرة الأولى , ولكن هذه المرة كان شعوري يختلف تماما , أحسست برهبة وإجفال كأنني عصفور نادر يدخلونه إلى قفصه الذهبي ويراد منه البقاء مدى الحياة .
فتح صاحبي الباب كالعادة , كانت الشريفة مطلة على الساحة كعادتها أيضا في مثل هذا الوقت . التفتت إلينا بنظرة مهيبة ثم نهضت واتجهت نحونا , ابتسمت لصاحبي دون أن تعيرني أي اهتمام . وأخذت بيده وأنا أتبعها بنظري إلى الحجرة الصغيرة , بينما كنت واقفا أتطلع إلى لا شيء . مرت دقائق كأنها الدهر , امتلكتني أثناءها موجة عارمة من كبرياء صلفة فقدتها منذ أمرت بالنزول من قلعة الرهائن إلى المدينة .
دخلت وعبرت من أمامي , لم تنظر إلى , واتجهت إلى زاويتها المفضلة المطلة على الساحة ثم اتكأت وسألتني :
- ما اسمك ?
فقلت :
- عرفت ذلك البارحة .
نظرت إلى بحدة غاضبة ثم قالت :
- كم عمرك ?
- لا أعرف ?
- ألم يؤرخ لك أبوك في كتاب أو مصحف يوم ولدت ?
- لا .
- عجيب !
لم أرد أن أقول لها بأن الفقهاء وبعض الأعيان في منطقتي هم الذين يؤرخون لمواليهم في الكتب والمصاحف القديمة , وبأن أسرتي كغيرها من الأسر الزراعية لا تهتم إلا بتاريخ مواسم الزراعة . وبدا لي كأن السؤال عن العمر وتاريخ المولد شيء مهم في حياة أعيان هذا القصر وملحقاته , ذكرني بكلام أستاذنا الفقيه في القلعة عن حكاية الطواشي والدويدار , والعلم وسن البلوغ !
ومرت فترة وجيزة خيم عليها الصمت , قامت بعدها بقوامها الصارخ , فأسبلت نظري حيث ما زلت واقفا في مكاني كما كنت , فقالت بتودد :
- تعال معي .
- وتحرك جسمي بعدها وهي تقول :
- سأعرفك على الدار .
- أعرفها .
- من عرفك عليها ?
- صاحبي .
- الدويدار المسلول !?
- الدويدار الحالي .
- إنه لا يعرف ما أريد أن تعرفه , وتفهمه وتتبعه وتلتزم به حرفيا .
لم أجب وقد صدمتني جلافتها بدمغ صابي بمرض السل . قالت , وقد نظرت إلى بترو لأول مرة :
- ما أدراه , هذا صاحبك بما أريده منك ?
ولم أجب , فأخذت بذراعي لأول مرة وجذبتني نحو درجات الدار , كأن شحنة كهربائية مست يدي , من الطبقات السفلى للدار حتى السطح والمطبخ الذي يعلوه مع مخزنه الخاص بلوازمه .
وظلت يدي في قبضتها والعرق ينزف بغزارة من وجهي . حتى يدي أصبحت مشلولة في كفها , وبقيت يدها المطوقة بأسوار من الذهب ونقوش الزينة ممسكة بيدي . طفنا كل شبر في الدار , كانت فرحة تعلوها البهجة حتى وهي تقابل العجائز في الأسرة وبعضا من خدمها وحشمها في الدرجات أو الأماكن التي طوفتني بها .
مرت الأيام , وبرغم عملي في دار الشريفة حفصة فإنني شعرت بالاكتئاب والضجر والملل . كنت مع صاحبي , الدويدار الحالي , كما يحلو للبعض تسميته , نقضي معا بعضا من أوقات ممتعة في الساحة أو في البوابة الرئيسة حسب العادة الصباحية مع العسكر والبورزان , وزاملهم المعتاد .
ثم يضمنا مرقدنا المشترك في غرفته , منهمكين تجتر همومنا اليومية , لكي نلتقي مجددا في دهاليز وسلالم وحجرات وساحة القصر وملحقاته , وفي المطبخ أيضا بين أفراد أسرة النائب وحشمه وخدمه .. نلتقي في غرفة النائب المنبطح دائما على جنبه الأيسر منذ الصباح , ونهجع معا في غرفتنا في النهاية .
حاولت ذات يوم , وقد ضقت ذرعا بالحياة , أن أقنع صاحبي بالخروج إلى الميدان ثم إلى المدينة , إلى السوق , إلى الشارع , قلت له بتودد :
- أريد أن أتجول في المدينة هذا اليوم , ولو لساعة واحدة .
- لماذا ?
- يوم واحد , بل ساعة واحدة , ألا تسمح أن ترافقني ?
- أشياء ! لكني أريد فقط أن أشم الهواء .
- الهواء موجود !
- أريد أن نمشي معا , أن نشم هواء آخر , نرى الناس , أن أجد أي شخص من بلدتي ممن يبيعون البصل والثوم والبطاطا في السوق , أسألهم عن حالة أسرتي !
- أبوك الهارب يلهب الدنيا بلسانه الطويل على الإمام في الجرائد , في عدن , وحالة بلدتكم سيئة . أطرقت , لم أكن أعرف أن لوالدي هذه الأهمية !
- أما أعمامك وأفراد أسرتك الآخرون ففي السجون . أطرقت مرة أخرى , كنت أعتقد أنني الرهينة الوحيدة في السجن ! ثم قال :
- لا يوجد في دياركم سوى النساء والأطفال الرضع , و السواري و العكفة بقاء عليكم . نظرت إليه مليا , كلامه لا يأتي من خيال , فهو قد يلتقطه من أعز المقربين إلى النائب أو من النائب نفسه , لا بد أنه قد سمع الكثير مما لم أسمعه ولم أعرفه ولم أكن أتوقعه ! قلت له برفق :
- أريد أن أطمئن عليهم . صمت برهة , وأطرق إلى الأرض وقد خجل أو ندم من كلامه ثم قال :
- ألست مرتاحا هنا ?
- نوعا ما .
- لماذا تريد أكثر من هذا ?
- أريد أن أشم الهواء النقي , أن أشعر بأنني حر .
- أنت رهينة مولانا الإمام .
- ولكني لست عبدا !
- أنت دويدار !
نظرت إليه وقد علتني مسحة من الغضب :
- ولكني لست " دويدار حالي ".
ساد بيننا فتور لأيام قلائل , كنت أشعر أنه يكلمني من موقعه هذا , فأنا , بمعية الشريفة حفصة , أعلى منه مرتبة كما خيل إلى , وأقوى نفوذا , هذا إن شئت وجاريت رغبتها .
لا أدري ما الذي دفعنا للتصالح بسرعة , فقد أخذ بيدي ذات يوم واتجه بي نحو البوابة الرئيسية خارجين إلى ميدان ترابي تتوسطه شجرة طولقة عملاقة يستظل تحتها جموع المشارعين والمراجعين وطالبي الحاجات من النائب , وبجوارها منصة حجرية البناء بالقضاض الصلب المصنوع من النورة , ملساء . وخلفها تقبع عدة غرف تشرف على ممر واحد تظله شرفة بسقفها وأعمدتها الخشبية القديمة والمتآكلة , يطلق عليها الناس المحكمة أي مكان المواجهة الخاص بالنائب وكتبته وبعض الحكام الفقهاء في الشرع والقضاء وموظفي المالية وبقية المستخدمين لأعماله المحدودة , وبين جموع الرعايا المواطنين أصحاب المظالم .
كل ذلك يطل على سائلة المدينة المنحدرة من الجبل والتي تجرف كل مخلفات هذا العالم الصغير من أوراق صفراء وأقمشة بالية تتكون من بقايا الثياب لبنات الجبل ونسائه .
اتجهت مع صاحبي إلى وسط المدينة , كان الجو مفعما برائحة الوباء وأدخنة مطابخ المنازل . الوجوه شاحبة تعلوها مسحة لون أصفر مقيت وباهت , والبطون منفوخة ليس شبعا وإنما مرضا , والأقدام عارية لزجة بالجروح والأوساخ .
جموع منهكة من المتسولين والمرضى والمجانين نصطدم بهم في كل منعطف وفي كل زقاق وفي كل ساحة وشارع .
ما كان أجملها من مدينة بصباحها عندما نطل عليها من على أسوار قلعتها القاهرة معقل الرهائن والمدافع , حيث كنا نتدلى بأرجلنا من على أسوارها ونشاهد المآذن والقباب البيضاء والمنازل المرصوصة داخل السور المنيع والهضاب والسهول والجبال الممدودة على مدى البصر .
لكنها الآن , ومن وسطها وفي أحشائها عرفتها على حقيقتها , إنها بؤرة للوباء المميت , مليئة بالمرضى والمجانين وأصحاب العاهات , والمعوقين والحكام الظالمين , إنها مدينة تعيسة وبائسة غاية البؤس , وكم تمر كل يوم جنائز الموتى من أبواب سورها تشيعها أصوات الأطفال مع معلميهم من الفقهاء وطالبي الخير والمغفرة .
لم أجد أحدا من بلدتي حيث لم يكن يوم السوق الأسبوعي المعتاد .. وعدنا , ودخلت من بوابة القصر وأنا أتنفس الصعداء , وقد آليت على نفسي بأن لا أخرج مرة أخرى , حتى ولو كان يوم السوق الأسبوعي , إلا إلى مكان آخر غير هذه المدينة .
ما كان أجملها من مدينة من عل وما أحقرها اليوم في نظري من مقبرة حية , وليتها كانت صامتة !
غدا هو أول يوم في شهر رمضان . شعرت بذلك من خلال الإعداد الهائل والاهتمام المشترك لجميع سكان القصر من سادته إلى عساكره وخدمة وحشمه , حتى صاحبي , فقد ملأ غرفتنا بأشياء عجيبة بيضاء اللون كأنها مصنوعة من الفضة , قال لي بأنها الأتاريك وبدأ في تنظيفها ثم ملأها بمادة القاز و السبرت , وغير , كما أفهمني , ذبائلها الحريرية الملونة التي تشبه قوس علان بألوانه , ثم شرع يجرب تجاربه عليها . كم أدهشني صفاء نورها اللبني الناصع , وكم ضحك صاحبي مني وتلذذ في مباغتتي بأشياء عجاب تذهلني !
تذكرت ليالى رمضان في بلدتي القابعة في حضن جبلها الأشم , المغروسة بين عشرات القرى ومئات الحقول المدرجة وآلاف المزارعين , منهم أصحاب وأصدقاء لي منذ خلقت حتى أخذت عنوة إلى قلعة الرهائن , من المسجد إلى الديوان , ديوان عاقل القرية نسمر لنسمع آيات من القرآن الكريم , نحفظها على ضوء سراج زيتي ذي ذبائل قطنية حارقة , وإذا ما قرئ أي شيء فهو طبعا كتاب المولد والمآتم والأفراح الممل !
وفي قلعة الرهائن كان رمضان بالنسبة إلى العساكر ورئيسهم والفقيه المعلم أيضا رتيبا , وكذلك بالنسبة إلى والى زملائي الرهائن . فبعد الفرجة على قوارح مدافع رمضان التي تطلق من جوارنا كنا نتناول طعام الإفطار ثم نهجع ونستكين فترة ونخلد للنوم لنقوم باللعب في الصباح أثناء نوم العساكر ورئيسهم والفقيه المعلم في ساحات القلعة وأزقتها ومشارفها , وكنا نتلذذ بتناول حبات التين الشوكي المتدلية أشجاره إلى الهاوية والتي نقطف منها الثمار بحذر خوفا من السقوط إلى أعماق سحيقة رهيبة .
في دار النائب وملحقاته يختلف جو رمضان عما عهدته في بلدتي وفي قلعة الرهائن . هنا تغمرنا أنوار بيضاء لبنية اللون وتعم كل غرفة بواسطة الأتاريك ذات اللون الفضي اللامع .
وديوان النائب مكتظ دائما بالسمار , وأحاديث تقال كل ليلة تلوكها الألسن عن الشعر والأدب والسياسة , ومنادمات لا تصل إلى درجة السماجة , إلا في بعض الأحيان .
أما نساء القصر وملحقاته , فلهن مريدات للسمر أيضا , معظمهن من الجيران وبعض الأسر العريقة ذات المركز الاجتماعي المرموق , وفي بعض الليالي يفاجأن بنسوة من الأسرة المالكة , من قصور ولي العهد , اللواتي تطغى روائحهن العطرية على كل مخلفات الدخان المتصاعد من المدائع والمواقد .
حتى العساكر ومن ضمنهم البورزان المتصابي , لديهم مكان معتاد بجوار البوابة الرئيسية , قد هيئوه لهذا الشهر الكريم , ويدور فيه حوار سجال عن معارك مبالغ فيها ضد الأتراك والوهابيين والبريطانيين . الشريفة حفصة تصوم طبعا , هذا ما لمسته , وتنام بعد سهر طويل , وتستيقظ في أوقات غير مرتبة . لكنها أوقات متأخرة جدا , وهذا ما أزعجني , فمثلها لا يجوز لها هذا العبث بصحتها , والذي يؤثر على رونق جمالها وخصوصا في شهر رمضان الذي يقلب حياة الناس رأسا على عقب . وبالرغم من ذلك فما زال صوتها كما هو لم يتغير , ما زال يجذبني إليها بشدة كأنه سحر محكم .
شغلتني أوامر الشريفة حفصة طوال شهر رمضان بنقل رسائلها إلى سامر مداوم في ديوان النائب , لم أعرفه من قبل وإن كنت قد لمحت صورته في إحدى المناسبات الخاصة أو العامة .
كنت أسلمه رسالتها , وأنتظر , وكان في بعض الأحيان يكتب بإطالة مما يضطرني للاستجابة بتعمير بواري مدائع بعض السامرين في ديوان النائب , وهي ليست مهمتى , وقد يغمز لي بطرف فأتوجه نحوه ليسلمني الجواب للشريفة حفصة . ذات ليلة دس في يدي بريال فضي , كنت طوال عمري لم أتناوله بل ولم أعرف شكله من قبل , وكأنه قمر هبط على فجأة من السماء . وكنت أعود بالرسائل الجوابية إلى الشريفة حفصة , التي كانت تأمرني معظم الأحيان بالبقاء معها حتى تنتهي من قراءتها لتلك الردود .. كانت تمزق بعضها بغضب , ومن النادر أن تحتفظ ببعض منها .
قلت لصاحبي ذات ليلة من ليالى رمضان ونحن نشعل الأتاريك استعدادا لسهرة القصر وملحقاته :
- لقد تعبت من نقل الرسائل والهدايا .
- وستتعب الشريفة حفصة , أيضا .
- لماذا ?
- الرجل , هو شاعر الإمام وولي العهد الخاص , وهو وسيم ومرتاح ولديه من هذه الرسائل عشرات بل مئات , وتنهال عليه الهدايا الثمينة مما جعله يعيش كالإمام وولي عهده وأفضل منهما , وأفضل من النائب هذا أيضا !
- وهل تعرف حفصة , أعني الشريفة حفصة بهذا ?
- هي تعرف , لكن الكبرياء والتعالى يجعلانها تحرص على الصلة به .
- وهل يحبها ?
- لا يحب إلا نفسه .
- وهي ?
- .. تحلم , ولا تحب .
- تحلم بالشهرة وتحب التحدي .
لم تبخل على الشريفة حفصة بشيء , منحتني الملابس النظيفة , فكونت المظهر اللائق بها وبي .
ومع ذلك كنت أريد أكثر من ذلك , لكنها كانت تتعالى كومضة برق . قلت لها يوما وقد طفح الكيل :
- أرجو أن تعفيني من حمل هذه الرسائل .
- لماذا ?
- لا فائدة ترجى .
- كيف تتجرأ على قول مثل هذا الكلام ?!
- هي الحقيقة التي أشاهدها , فلديه ما يشغله عنك .
- اخرس .. يا .
وهوت بيدها الناعمة الجميلة المخضبة بالحناء والمزينة بالأساور الذهبية على خدي بلطمة تقبلتها بثبات وقد تمالكت أعصابي وقلت :
- أنت تحلمين ولا تحبين .
- اخرس .
وهرعت الدرجات مسرعا تاركا صوتها يعلو بالشتائم العصبية المتوترة
قادني أحد العساكر إلى البوابة الرئيسية حيث تقرفصت ومددت رجلي ليوضع حولها قيد حديدي , طرقة أحد العساكر حتى أحكم دائرته .
ومشيت نحو غرفتنا حيث نصحني صاحبي بوضع بعض أقمشة بالية على ساقي لكي لا يحتك القيد بهما ويحدث جروحا , وإزعاجا أيضا !
لم أكلمه تلك الليلة حفظا لماء الوجه , كان متألما كما بدا لي من خلال تقاسيم وجهه , أكد لي أن قيدي كان عن إصرار من الشريفة حفصة , نفذه النائب .
السجين المقيد مرتاح أكثر ممن هم طلقاء بلا قيود في هذه المدينة , بل وربما في البلاد كلها ! فلا مشاغل ولا هموم يعانون منها , فعذرهم واضح بأنهم سجناء مقيدون لا حول لهم ولا قوة .
كنت أستيقظ مبكرا خلافا للعادة وأتجه بقيدي إلى دكة العسكر في البوابة الرئيسية أتناول معهم وجبة الإفطار العادية المكونة من الكدم والبرعى إن وجد أو ما حصل من سحاوق , وأتجاذب معهم أطراف الحديث المعتاد .
ومع قلة حديثي مع صاحبي , فقد شعرت بأن هنالك حركة غير عادية تجري في القصر وملحقاته وفي تصرفات صاحبي العجلي الفرحة , فسألته عن ذلك فقال بفرح :
- سيصل اليوم ابن النائب من الخارج .
- ولماذا ا كل هذه الحركة والدربكة اللافتة للنظر ! ألديه حاشية كبيرة ستصل معه ?
- ستصل معه سيارته الصغيرة فقط ! وستحملها الجمال إلى مشارف المدينة ! وسيقوم الآن المهندس الإيطالي بتركيبها فور وصولها ألا ترى أنه حديث يستحق كل هذه الحركة والدربكة اللافتة لنظرك !?
- شيء عادي أن يعود ابن النائب من الخارج إلى موطنه !
- لا أقصد ذلك , أقصد وصول سيارة معه , وصغيرة جدا , ألم تعرف ما هي السيارة ?
فتحت البوابة الرئيسية بأكملها , واشرأبت الأعناق من كل نافذة داخل القصر وخارجه , وكثر الهرج والمرج , وتجمعت جحافل من الرعية من شركاء وأجراء النائب في المدينة والأرياف , وحشد غفير من الناس من رجال ونساء وأطفال في ساحة المدينة المطل عليها القصر وملحقاته .
كان العسكر ينظمونهم حسب المزاج وبطرق عشوائية , فكم من خبط وضرب ولكم لخلق الله ! خرجت بقيدي الحديدي إلى الفسقية التي تتوسط ساحة القصر وملحقاته , أتعشم أن أشاهد صاحبي وهو بجوار النائب وابنه الواصل من الخارج راكبا بجوارهما على تلك السيارة الصغيرة العجيبة .
لملمت قيدي وانحنيت على ركبتي محتضنا إياهما مع القيد , كان مكاني يتيح لي فرصة للمشاهدة أحسن من أي مكان آخر .
لا أدري كيف راود ذهني قسم عظيم بأن لا أعود إلى دار الشريفة حفصة مهما طال القيد , وسمعت من خلفي صورتها فجأة وهي تزأر :
- طليق , وفي الساحة ?!
- لم ألتفت ولم أجب .
- وتتفرج على خلق الله كأن شيئا لم يكن ? هه ! لم ألتفت ولم أجب . وهزتني من كتفي بقوة وقالت :
- لماذا لا تجيب ?!
ولم ألتفت ولم أجب .
واستوت إلى مواجهة وقد حجبت عني رؤية البوابة الرئيسية المكتظة بخلق كثيرين منتظرين مثلي الفرجة على هذا الحدث القادم .
وبالرغم من أنها في ساحة القصر وملحقاته إلا أنها تلتحف شرشفها الأسود الذي لا يظهر منه سوى عينيها البراقتين المكحولتين بالإثمد وأنفها البارز كحد السيف من خلال اللثام , ومع ذلك التوتر , فقد مدت يدها المزينة بالذهب والمصبوغة بالخضاب الذي أظهر ذلك البياض المفعم بالحمرة والذي يتجلى على أناملها وظهر كفيها وذراعيها لتمسك بي مرة أخرى وبقوة لنتواجه . أصلحت من وضعي بعد هذا العنف , وحاولت الوقوف , لكنها منعتني بحركة آمرة قوية من يدها ومن خلال صوتها الأجش المهاب .
تأملتني مليا وبرفق وأنا مستسلم , نسيت خلالها الحشود الغفيرة وهذا الحدث , وغمرتني مشاعر فياضة لم أحس بها من قبل .
جلست بجواري على حافة الفسقية وهي تضع عجزها الفاتن لتصلح جلستها حتى شعرت بأنها تزيحني فعلا من مكاني لكي أرتمي على الأرض , فأصلحت من مجلسي مرة أخرى خاشعا ومتيحا لها أخذ راحتها , وتململت قليلا ثم نظرت إلى قائلة :
- لماذا تؤذيني , رغم إحساني وعطفي عليك ?! أحسست أنها تخاطبني كطفل يتيم وصغير , وجاهل , فقلت :
- لم يحدث مني شيء يسوءك .
- كنت جلفا وقاسيا وبلا ذوق معي كقبيلي بسبلة .
- قد أكون قبليا , ولكني بلا سبلة . وضربت برجلها المتدلية عرض الفسقية المقضضة بالنورة ثم وضعت يدها على عجزها وقالت :
- لقد آلمتني .
- بماذا لا سمح الله ?!
- وثقت فيك .
- لم أخن تلك الثقة !
- بل تجاوزت !
- حاولت النصيحة فقط !
واستدارت شبه غاضبة قائلة :
- لست وصيا على .
- أعرف ذلك , فأنا مجرد دويدار !
- بالضبط , والدويدار يعرف كيف يؤدي عمله .
- كالدويدار حالي !
- أنت حالي قبل أن تكون دويدارا !
طرق مسمعي قولها ذلك وبصوتها الرخو المبحوح الذي يميزها عن غيرها من نساء القصر وملحقاته , حتى صوتها هذا كان له دائما وقع سحري في أذني , وقع محبب عشقته وظل يطرق مسمعي ليل نهار , أكنت نائما أم يقظا .
وعلا هرج وارتفع صياح عرفت من خلاله أن موكب النائب وابنه بسيارته قد أزف , وعلا صوت بوق البورزان بالرموز التركية التي تعلن مقدم النائب , وانتصبت الشريفة قائمة ثم نظرت إلى وأسدلت نقاب شرشفها على وجهها ثم وثبت كمهرة بكر نحو دارها دون أن تأبه بالموكب أو تعيره اهتماما !
تعالت الأصوات , وسمعت أزيز محرك السيارة وصوت بوقها لأول مرة مختلطا بصوت بوق البورزان . وقفت وقد دخل الموكب يتقدمه البورزان ببوقه الصائح تليه مجموعة من الحرس النظام والبراني والحشم والخدم , ودخلت السيارة يقودها ابن النائب العائد من الخارج منفوخا كضفدعة , جاحظ العينين تكاد بسمته المصطنعة أن تضيع بين أوداجه المنتفخة ! وجلس بجواره والده النائب وقد لبس أحسن ما لديه من لباس , ووقف خلفهما صاحبي يحيي بفرح ويمازح الناس والسعادة تغمره . صفقت له وناديته باسمه , بل وهتفت بحياته .. لا أدري كيف فعلت ذلك !
وأقفل العسكر البوابة بعد أن طردوا بقسوة أطفال المدينة المندفعين لرؤية السيارة القادمة من عالم المجهول . ونزل النائب بعد أن أوقف ابنه الضفدع أزيز محركها ووثب صاحبي كغزال وهو يبتسم عندما رآني أصفق له . واطمأن ابن النائب على سيارته في إصطبل الخيول التي أخذها الإمام .
وكانت ليلة سمر , احتفى الكل فيها بابن النائب , وسمرت قليلا عند العسكر , استمتعت برقصاتهم الشعبية على أنغام المزمار والطبل . كانوا يشاركون بالاحتفال بوصول ابن النائب ويتوقعون في الصباح أن يكرمهم النائب بأوامر نافعة على الرعية لتأخرهم عن تسديد الزكاة وملحقاتها , وبات كل عسكري منهم يحلم بأمر يأخذه على رعية من منطقة يفضلها ويعرف مردود ذلك الأمر !
في الصباح الباكر اقتادني أحد العسكر إلى حجر فك القيود , لم يبق غيره من العسكر , فقد تفرقوا ضيوفا غير مرغوب فيهم على الرعية طبقا للأوامر , حتى البورزان ذهب هذه المرة وكان أمره على شيخ ظالم في واد خصب ليحصل منه على مصروف سنة كاملة . أمرني العسكري بالجلوس لفك القيد الحديدي , حاولت أن أسأل ولم يجب . فقد كان مصابا بسوء الحظ لعدم ذهابه كزملائه .. وأقبل صاحبي مبتسما كعادته وقال لي :
- لقد أمرت الشريفة حفصة بفك قيدك !
- لكنني لم أطلب منها ?
- هي أمرت .
- لن أنفذ هذا الأمر .
- العسكري سيقوم بتنفيذه !
- سأقاوم .
- سيكلفك ذلك الكثير !
- لا يهم .
وأقنعت نفسي وصممت على ما اقتنعت به . وحاول العسكري إخضاعي بالقوة ووضعني على الأرض , لكنني قاومت , ونشبت بيني وبينه معركة استخدمت فيها كل ما استطعت من وسائل , بالأظافر وبرمي الحصى على عيونه وبالعض بالأسنان , لكنه كان مستثارا أكثر مني لعدم خروجه مع زملائه فصب غضبه على وتحملت منه ركلات ولطمات صلفة , ومن عسكري غاضب لعدم خروجه بأمر على دعوى ولبقائه الوحيد بلا أمر ! وتدخل صاحبي فورا وكان تدخله لصالحي بعد أن تجمع بعض الخدم والخادمات للمشاركة في فك ذلك الاشتباك الذي لم أعرف له سببا سوى أنني حرنت بعناد لا مبرر له ! أخذني صاحبي بقيدي إلى غرفته , وحاول قدر استطاعته مسح الدماء ولأم الجروح الخفيفة وتهدئة نفسيتي المثارة .
ظل القوم فرحين بمقدم ابن النائب بسيارته الوحيدة , ولم أبرح غرفتي , وقام صاحبي بتوفير كل شيء لي , أحببته من كل قلبي , وتساءلت لماذا كل هذا التعب والعناء المبذول منه ? وبرغم ما حدث فلم تبارح الشريفة حفصة مخيلتي مطلقا بكل جسمها وصوتها ومفاتنها العديدة , كنت أطرد صورتها من خيالي بقوة أثناء نومي أو يقظتي , دون جدوى ! وكنت أحاول أن أنساها بتذكري لأبي وأمي وإخوتي وأسرتي عسى أن تقوم صورهم بطرد صورتها , ولكن دون جدوى . أصبحت جزءا من الغرفة , من حياتي اليومية المعاشة , لا حركة ولا سكينة فيها إلا وهي موجودة أمامي , حتى لقاء صاحبي مع نساء القصر وشذوذهن معه لم أعد أكترث ولا أهتم به .
لكنني سمعت هذه الليلة , وهي ليلة قريبة من تلك الأحداث , سمعت صوتا ينادي على صاحبي , صوتا ليس من أصوات صديقاته عانسات القصر , إنه صوت رخو مبحوح اقشعر له جسمي , فتدثرت بفراشي وقد أحكمت كتم أنفاسي فيه !
- يا عبادي .. يا دويدار عبادي . وقام صاحبي مذعورا كأنه مثلي لم يتوقع حدوث ذلك , وقال :
- أريد صاحبك .
- إنه نائم .
- أيقظه .
- تفضلي .
- قلت لك أيقظه . واتجه نحوي بوجل وهو يوقظني :
- قم , الشريفة حفصة تريدك .
- لن أستيقظ .
- إنها تريدك !
ولكزني برأس أصابعه .. حاولت قدر المستطاع أن أوهمها وأوهمه بعدم اهتمامي بها , ولكني فشلت فنهضت مسرعا كأنني بلا شعور , وجذبتني من ذراعي وانزلقت معها سلالم القصر , كنت أثب خلفها بالقيد الحديدي دون أن أنبس بأي كلمة , كان القيد يحدث ضجيجا مزعجا . قالت :
- كأنك لم تسجن بقيد من قبل ?! لم أجب . واستمرت قائلة :
- .. وإلا لتعلمت كيف تحافظ على ساقيك من القيد بالخرق البالية من القماش التي تمنع هذا الصرير المزعج أيضا !
لم أجب , بل تعمدت مزيدا من إحداث صرير القيد الحديدي المزعج .
وفي الساحة حاولت عندما وقفنا أن أسألها , أسألها عن سبب حبسي وقيدي , أسألها عن سبب حبي لها , أسألها عن سبب تعلقها واهتمامها بي , ومغامرتها لأخذي بقيدي إلى هذه الساحة ?
لكني لم أجرؤ , بل تبعتها بعد ذلك في خطوتها ككلب مطيع لصاحبه , أو ربما ككلب ضال .
أجلستني بجوارها على الأرض وهي تقول :
- لماذا لم تقبل فك قيدك ?
- لأنه أراحني من أداء مهمات لا أحب أداءها ! أوحت إلى بأنها لم تفهم مغزى قولي فقالت :
- .. هل أنت مريض ?
سؤال مفاجئ , فأنا بخير ولا أدري ماذا تقصد , فقلت متحذلقا :
- .. ربما !
- وكسول ?
- لا أعتقد ذلك .
- فخور بأنك كنت رهينة !?
- وما زلت رهينة !
- رهينة من ?
لم أجب , مسني إحساس من كرامة بعدم الخضوع . لأكن رهينة , أو دويدارا . وربما صرت في هذه الفترة خادما , وخادما للشريفة حفصة , لا يهم هذا عندي , ولكن الأهم من ذلك أن لا أصبح دويدارا حاليا , وهذا ما كان يزعجني , شعرت أنها كانت تتوقع أن أجيب بأنني رهينتها , دويدارها الحالي !
وشعرت أيضا بأنها تقدر موقفي بعدم محاولتها جرح مشاعري مرة أخرى , فاتجهت بي إلى البوابة الرئيسية للقصر , مقر العسكر والبورزان , ونادت بصوتها الآمر فتواجد بعضهم بخضوع وخشوع , كان معظمهم قد عاد من مهامه فأمرتهم بصوتها الملبي دائما , ولم أشعر إلا بمجموعة منهم تطرحني أرضا وتفك قيدي الحديدي برفق بواسطة القضيبين الحديديين المرتكزين على حجر متآكل .
وعادت بي إلى الساحة قائلة :
- هل تريد العودة إلى صاحبك أم إلى داري ?
كنت أعرف أن المقام في دارها له مزايا خاصة , مريحة ومغرية , ولكني فضلت العودة إلى غرفة صاحبي برغم تأففي لما يمارسه من شذوذ غير لائق مع معظم نساء القصر أعتبره في نظري من المحرمات .
واتخذت قراري بالعودة إلى غرفة صاحبي مع حفظ ماء الوجه والإيهام بالكبرياء وكرامة النفس تقبلته الشريفة حفصة بروح العارفة الدارسة للنفسية المراهقة !
بهذه الصورة أطلقتني الشريفة حفصة من قيدي , وجعلتني أختار بحرية تامة غرفة صاحبي الدويدار الحالي , وهي بالتأكيد تعرف أنني سأقوم بعملي لديها بقناعة تامة .
لم تحاول إعادة الكرة معي في إرسال خطاباتها إلى شاعر الإمام وولي عهده , فقد استعاضت بصاحبي , وبرغم معرفتي بذلك لم ألمح لها !
كان صاحبي يقوم بفرك رجلي النائب المبطوح أمام النافذة المطلة على ساحة قصره وملحقاته , كما هي عادة النواب والأمراء والسيوف , الذين لم أعرف أحدا منهم حتى الآن . كنت واقفا بجانب صاحبي والنائب يسحب نفسا من المذاعة كالعادة , وفنجان القهوة أمامه قد برد !
وفجأة دخل علينا شاعر الإمام الوسيم , فنهض النائب بكل ثقل جسمه .. وانتفض صاحبي لهذه المباغتة رافعا يده عن رجلي النائب وانسحبت مع صاحبي إلى مؤخرة المنظرة .
لم يكن من المتوقع وصول شاعر الإمام ودخوله المفاجئ إلى المنظرة الخاصة بالنائب التي ليس بمقدور أي شخص دخولها إلا إذا كان رسولا خاصا من الإمام أو ولي عهده السيف وقادما لأمر مهم , أو شخصا مهما من أسرة النائب المقربين جدا !
لم أستوعب بوضوح مع صاحبي كل ما دار من حديث متبادل بين النائب والشاعر , حيث بدأ الحديث بالمجاملات المملة من تحيات وسؤال عن الأحوال الخاصة والعامة وابتسامات كلها زور وبهتان ونفاق . كان النائب طبيعيا ولو أنه قد أحس بأن الشاعر مكلف من ولي العهد السيف بشيء مهم , وكل ما سمعته مع صاحبي وكأننا جزء من أثاث المنظرة , مجرد حوار يدور حول سيارة ابن النائب وعن موكب دخولها المدينة التي لم تعهده من قبل , وقد عبر الشاعر عن استياء ولي العهد السيف لذلك الموكب وتلك المظاهر البراقة التي رافقت الموكب .
كان النائب برغم ثخن جسمه , وبرغم شفتيه المتدليتين إلى أسفل ذكيا بلا شك , وإلا لما أصبح نائبا للإمام وعاملا على هذه المدينة المهمة وملحقاتها من أرياف ونواح وثغور .
وتصنع النائب الاستغراب لهذا الحديث الذي أثاره الشاعر ثم ابتسم متعجبا , وقال بعد برهة تفكير أوحى بها إلى الشاعر :
- السيارة هي أصلا هدية لمولانا ولي العهد حفظه الله من ولدي ومني , ولها قصة طويلة .. عندما طلبت منه شراءها من الخارج لمولانا حفظه الله , وقد تمكن من شرائها وإيصالها بنفسه إلى الميناء بجهد يشكر عليه , وقد حبذ إيصالها بنفسه إلى المدينة أيضا , وقد استقبلته وكان ما كان ! على كل حال هو مصر على إيصالها بنفسه إلى مولانا حفظه الله وما تأخر ذلك إلا لوعكة ألمت به بعد عناء السفر , وسيوصلها في الصباح الباكر ويقودها بنفسه , وتعرف سيدي انشغال مولانا حفظه الله هذه الأيام بقضية هؤلاء الذي يدعون الأحرار اليمنى ين في عدن , وهذا ما أخرني عن إخبار مولانا حفظه الله بهذه الهدية !
ولم يتح النائب للشاعر أن يقاطعه فاستطرد قائلا :
- وحاش الله أن تكون السيارة لي أو لولدي , فنحن سنظل على العهد باقين مدى الحياة , وسنركب البغال والحمير دائما إلى مقام مولانا حفظه الله .
وما إن توقف النائب برهة حتى حاول الشاعر أن يتكلم ولكن النائب لم يهمله بل واصل قائلا :
- أما تجمهر الناس حول منزلي فهو لمجرد رؤية هذه السيارة العجيبة وليس لرؤيتي أو لرؤية ابني , وأنتم تعرفون سيدي أنهم من العوام , فلا سيد فيهم ولا قاض , ولا نقيب , ولا حتى مجرد رعوي مزارع , كلهم من أبناء الشارع والحواري في المدينة .
وبالكاد سنحت فرصة للشاعر فقال :
- أعرف ذلك , طابت أوقاتكم , وسأقوم بنقل هذا إلى مولانا حفظه الله , ثقوا من ذلك .
- ولماذا هذه العجلة , أمكث معنا ولو قليلا !
- أفضل الذهاب , فمولانا على أحر من الجمر .
وتوجه النائب نحو خزانة في عرض الحائط وأخرج منها بعض أشياء لمعت بعضها في عيوننا ببريق لون الذهب والفضة , وقدمها إلى يد الشاعر الذي حاول أن يظهر امتنانه بعدم قبولها , لكنه في النهاية حفظها في مكان أمين في ملابسه !
ونظر إلينا عند خروجه وابتسم , وسلم لصاحبي رسالة خلسة وغمز له بعينه اليسرى .
أخذت مع صاحبي نتجاذب أطراف الحديث حول زيارة الشاعر للنائب , ومع ذلك كان ألمي شديدا لانشغال الشريفة حفصة بهذا الشاعر المدعي .
الرسالة ما زالت مع صاحبي , وكم هممت أن أعرف ما فيها , فكرت أن احتال على صاحبي لأول مرة في حياتي وأفتح الرسالة في غفلة منه .
وخرج ليقضي بعض أعماله المعتادة والمتأخرة , وكان رداؤه معلقا في مكانه المعتاد والرسالة بداخله بالتأكيد , وليس بيني وبين أن أعرف ما بداخلها إلا أن آخذها وأقرأها بسرعة وأعيدها إلى مكانها كما كانت . أريد أن أعرف ماذا يقول لها من دجل ونفاق وابتزاز لعواطفها , هذا ما تخيلته وأنا أحاول أن أقدم على أخذ الرسالة , لكني تراجعت بكبرياء انتابتني فجأة وأقنعت نفسي بعدم الاهتمام بالرسالة وبالشريفة حفصة .
وعاد صاحبي وأنا في حالة معاناة وتأمل ومراجعة مع النفس , وبدأ يعلو سعاله المعتاد المقرف الذي لا يكف عنه إلا بعد غيبوبة , كنت قلقا منذ فترة على صحته ومنذ بدأت هذه الظاهرة تلم به , ومع ذلك ما زال يشعل سيجارة ملفوفة إثر أخرى ويسعل مجددا حتى يفقد وعيه .
استيقظت مبكرا لأول مرة رغم سهادي , وتركت صاحبي يعوض نومه , واتجهت إلى دار الشريفة حفصة .
كان يوما كئيبا على نفسي بالرغم من شعور روحي يدفعني لرؤيتها , لم يعد يهمني أي شيء , ما دمت أعمل في معيتها , وهذا شيء مفروض على عليه كذا عللت لنفسي سرعة اندفاعي إلى منزلها , ومع علمي بأن الوقت كان مبكرا وبأنها ما تزال نائمة فقد جلست أمام باب منظرتها انتظر .
وفجأة فتحت الباب وكادت أن ترتطم بي , ثم قالت :
- يا صباح الخير , بالرهينة الحالي !
وانتفضت واقفا ولم أستطع الإجابة .
كانت مرسلة الشعر , ممتلئة الوجه , مدعوجة العينين , كم يعطيها النوم راحة لجسمها المتململ بالحيوية .. وصوتها الرخو المشوب بشيء من الفحيح .. وقالت :
_ أين صاحبك ?
- تركته نائما .
عبرت عن استيائها لعدم حضوره بحركة من رأسها , بينما قلت مستفسرا :
- هل تريدين منه شيئا ?
وبعد تلكؤ منها كأنها لم تكن تريد أن أعرف قالت بضجر :
- اذهب وخذ منه رسالة , ائت بها إلى سريعا .
وما أن نزلت بعض درجات القصر حتى كان صاحبي قد وصل وهو يصيح لائما :
- ألم أقل لك أن توقظني مبكرا ?!
- لم تقل لي فأنت دائما أول من يستيقظ في هذا القصر .
- لا أدري ما الذي ألم بي هذه الليلة .
- سعالك الشديد والحاد , الذي لا تريد أن تعالجه .
- ألم تسأل عني الشريفة حفصة ?
- سألت عنك , وعن الرسالة !
لم يجب .. وعدت معه وقد خفت حدة غضب الشريفة حفصة والتي سمعت بعض حوارنا كما خيل إلى .. وقدم لها الرسالة , أخذتها بلهفة تألمت لها , ودخلت إلى منظرتها وقد تركت الباب مفتوحا حيث أتاحت لي أن أتابع حركاتها وهي تقرأ الرسالة . وتأملت بدقة , وفجأة مزقت الرسالة ورمتها من النافذة !
ابتسمت فرحا لهذه النتيجة التي لم أكن أتوقعها , واستدارت الشريفة حفصة نحو باب المنظرة , نحونا , ولتصرفنا إلى أعمال لم نكن نتوقعها أو من المطلوب منا تنفيذها !
ظللت مبتسما .. فنظرت إلى باستفسار , لكنني لم أجب , بل توجهت مع صاحبي نهبط درجات القصر لتنفيذ أوامرها .
انتهت أزمة السيارة التي وصل بها ابن النائب , فقد سلمت إلى قصر ولي العهد , أخذها ابن النائب بنفسه وكان إلى جواره الشاعر الوسيم .
وطاب المقام لابن النائب العائد من دراسته في مصر , كان لا يخلو يوما فهو إما أن يكون مدعوا لغداء أو مقبل أو عشاء وسمر في بيوت الأسر المعروفة في المدينة أو الأقرباء وبعض الموظفين المهمين .
وذات يوم أخبرتنا الشريفة حفصة بأنها قد دعت ابن أخيها الضفدع لتناول العشاء مع أصدقائه في دارها , وقد سألت صاحبي مستفسرا لماذا لا تدعوه لتناول الغداء والمقيل مع أصدقائه .. فضحك صاحبي ولم يجبني !
وكان يوما شاقا علينا , كم قمت فيه مع صاحبي بمهمات عديدة لا حصر لها حتى أننا شاركنا الخادمات بتنظيف الأواني النحاسية من زهريات وشمعدانات وأباريق و معاشر ومتافل , ورتبنا معا منظرة الطعام وما يلزمها من كل شيء . كانت الشريفة حفصة مزهوة بدارها ومناظرها المفروشة بأفخر أنواع السجاد والمطرزة بأحسن الطنافس النحاسية والفضية أيضا . وبعد أذان العشاء كلفتني وحدي بنقل عدة أطباق من اللوز والجوز مفرقة على طول المنظر ة مع صحون وكؤوس من زجاج فارغة وعدة ثلاجات صغيرة لحفظ الماء باردا !
أخذت الشريفة حفصة بيدي إلى مكان صغير عرفت أنه الخلوة لم أدخله من قبل , وأخذت من خزينة في الجدار بعض قوارير مملوءة بسوائل ملونة , بعضها أبيض اللون وله رائحة عطرية , ثم أمرتني بأن أضعها في المنظرة موزعة بجوار الكؤوس الفارغة وصحون اللوز والجوز .
قمت بالمهمة على أحسن وجه ونفذتها بدقة متناهية في الترتيب والذوق لا أدري كيف أجدتها , وزدت فتفانيت أكثر في وضع كل شيء في مكانه اللائق والطبيعي , كأنني قد مارست هذا العمل من قبل .
نظرت إلى الشريفة حفصة من باب المنظرة وأنا أرتب كل ذلك فنادتني بصوت حنون هرعت لسماعه نحوها .
تسمرت أمام باب المنظرة حيث لم أستطع الخروج لأنها كانت مسندة ذراعيها إلى الباب . وجلت , وشعرت بأني أكاد أصطدم بوجهها الباهي العريض كوجه القمر , واعتراني خوف دق له قلبي ونشف له ريقي , وأمرتني بصوتها المرح المشوب ببحة محببة إلى قلبي وكل حواسي بالاقتراب منها , فاقتربت منها , ثم أمرتني مرة أخرى بالاقتراب منها أكثر فاقتربت .
كادت أنفاسها تلسع وجهي , فأمرتني أيضا بالاقتراب أكثر إلى درجة لم يحدث لي من قبل ولا مع والدتي , فاقتربت .
وأمسكت بيدها برأسي , .. وقبلتني في شفتي قبلة اعتصرت فيها رحيق عسل ملكة نحل بكر .
دار رأسي , وأحسست بأن الكون كله من حولي يدور , وقالت وهي تبرر عملها هذا :
- لم أكن أتوقع أن تكون بهذه الدقة من النظام وحسن الذوق والمعرفة .
شيء ما حدث كالبرق , كنت مرتبكا ومتلعثما فقلت :
- حسن ظنك .
لم تجب لكنها هرعت مسرعة بجسمها الريان نحو المطبخ . ونبهني صاحبي وقد قدم قائلا :
- ماذا بك كالمجنون ?!
- لا شيء !
- هيا إلى عملك , فالضيوف قادمون .
كان باستطاعتي أن أخدم ألف شخص , أن أعد ألف وليمة , أن أقلب الكون رأسا على عقب وبنظام بديع .
وتوافد المدعوون , كان أولهم ابن النائب الضفدع بضحكاته المقرقرة كصوت المذاعة أو صوت قلة يسكب منها الماء , وقد حضر معه جماعة من أصدقائه وأقربائه المدعوين ومن ضمنهم الشاعر الذي دخل وعلى فمه ابتساماته وتحياته المزورة والملحة وضحكاته المنافقة الدجالة , مع كل تصرفاته التي كلها بهتان وزور .
وأصبت بحالة غم وضجر لحظة مقدمه , لكن كل ذلك زال بعد فترة , أو هكذا أقنعت نفسي به بعد تذكر ما حدث لي منها قبل قدومهم !
وجلس الضيوف وقد خلع معظمهم ثيابه التقليدية والعمائم البيضاء . وقفت مع صاحبي في حجرة مدخل المنظرة عند أحذيتهم المنقلب بعضها والتي قام صاحبي بإعادتها إلى وضعها الطبيعي , وليس ذلك حرصا منه على سلامة الأحذية وإنما لتشاؤم سائد من وضع الأحذية مقلوبة بأنه يوم نحس أو أنه يسيء إلى السماء . كنت أعرف ذلك في قريتي في أي مكان مقبل , أو أي مكان آخر عادي ولو باب المسجد .
ظل نظري مصوبا نحو ذلك الشاعر الوسيم المدعي . سمعته من قبل يتلعلع ويجلجل بقصيدة مديح في ديوان النائب , حتى في شهر رمضان سمعته أيضا في أمسيات النائب يلقي بقصائده المشيدة بالإمام وولي عهده السيف , والنائب أيضا .
كان له شكل مهيب , ذو سمرة مليحة , وقوام ممتلئ برشاقة , وصوت جهوري , وضحكات مجلجلة عذبة مغرية , يطلقها افتعالا ليسحر بها عقول النساء والرجال أيضا .
هزتني الشريفة حفصة من منكبي فجأة وهي تقول :
- لماذا أنت شارد ?
فوجئت , ولم أستطع النظر إليها , وأدركت أثناء ذلك بأن صاحبي ليس بجواري لأستأنس به وأستمد منه شجاعتي , فقد ذهب كما يبدو إلى مهمة دون أن أشعر به , وقلت متلعثما :
- حاضر .
هذا كل ما قدرت على نطقه مجيبا على تساؤلها وقد اعتبرته ردا وافيا لكنها قالت لي آمرة :
- خذ هذه الورقة , وأعطها للشاعر الجالس هناك .
أخفيت مشاعري المصدومة فجأة بأمرها , وأخذت الورقة منها وعلى مضض .
انتابني إحساس أكيد بأن قبلتها التي عصرتني بها عصرا ما هي إلا مجرد رشوة للقيام بهذه المهمة التي كنت قد امتنعت عن الاستمرار في أدائها من قبل وأدى ذلك الامتناع إلى حبسي وقيدي .
إذن فقد أخلت الشريفة حفصة بالشرط المهم الذي اتفقنا عليه بعد ذلك وداست على مشاعري , واستدرجتني بخدعة كان يمكن أن تمر على أتفه عاشق على مر التاريخ .
لا أدري كيف تذكرت مقبل والدي وما كان يحكيه عن عشق عمر بن أبي ربيعة للشريفة سكينة بنت الحسين ! لكن ما أقدمت عليه الشريفة حفصة من عمل جرحني , لذلك صممت في قرارة نفسي أن أريها بأنني لست مهتما بها ولا بمواقفها هذه المشينة , وبأنني من قوم لم تمرغ أنوفهم بالتراب ! تملكني شعور بالأنفة والكبرياء , ولكنها أنفة مكسورة وكبرياء مجروحة مذلة .. ولكن لا بد من إظهار ذلك , قلت :
- مرحبا سيدتي , وسآخذ منه الجواب .
- أحسنت , يا رهينتي الحالي .
وحاولت الإمساك برأسي بغية تقبيلي , لكنني نفرت منها سريعا إلى داخل المنظرة ولم أتح لها فرصة لعمل ذلك . تمالكت نفسي وقد دخلت عليهم فجأة بحركة لافتة للنظر حيث نظروا إلى بأستغراب . وقفت فترة مناسبة حتى عادوا إلى ما كانوا عليه من حوار وضحك , ودنوت من الشاعر , وجلست بجواره , نعم , جلست بجواره والجميع مشغولون بالحديث عن حياة الناس في الخارج , في مصر بالذات , يروي ذكرياتها ابن النائب الضفدع مع نوادر عديدة كانوا يضحكون لذكرها .
وتنبه الشاعر لوجودي بجانبه فنظر إلى بعينيه الجاحظتين ثم هوى بيده على فخذي , وفركه بطريقة لم تحدث لي من قبل وقال بصوته المعروف بالزور والبهتان .
- أهلا وسهلا , يا مرحبا بك , خطوة عزيزة !
أبعدت يده عن فخذي بشدة فاتجه بها إلى كأس أمامه وقدمها لي بتواضع قائلا :
- اشرب , أهلا وسهلا بك يا مرحبا , خطوة عزيزة !
عطست إثر اشتمامي لرائحة عفنة مصدرها الكأس التي قدمها لي الشاعر . وطرحت الكأس بجانبي , وهززت كتفه مرة أخرى محاولا التخلص من المهمة المنوطة بي كرها , لكنه رغم ذلك وضع يده مرة أخرى على فخذي قبل أن يلتفت إليّ قائلا :
- أهلا بك .. يا مرحبا !
قذفت بيده بعيدا ثم ناولته الرسالة .. فأخذها , ثم ضحك بعد أن قرأ منها بضعة أسطر , هي بدايتها وخاتمتها فقط , وهوى بيده مرة أخرى على فخذي بحركة عجيبة لم أعهدها في حياتي من قبل .
فكرت هذه المرة بأن أقنع نفسي بترك يده على فخذي , أريد أن أعرف مراده , ماذا يهدف في النهاية , وهي تجربة لا بد أن أعرف غرضها , فأخذت أنامله في فخذي ما شاء لها المراد في حدود لم تعد معقولة من الأدب ولو أنه لم يعد هنالك أدب ما , ولكني شعرت بأنه يسعى بأنامله وقد اطمأن لرضوخي إلى منطقة حساسة , إلى شيء لم أبحه للشريفة حفصة نفسها ولا لمخلوق آخر حتى الآن !
كان مصمما على نقل يده من فخذي إلى مكان آخر , يريد أن يفرك ويتلذذ برغبة جنونية .. استطعت أن أوقفه عند حده , وشعر زملاؤه في المنظرة بذلك فابتسموا بخبث !
انتهى الموقف وقد حوله اللعين إلى حديث وحوار لفت به الجميع , كان حديثه عن توقع مؤامرة ضد الإمام ربما تقوم في صنعاء , ويذكيها ما أطلق عليهم بالأحرار في عدن .
كان ذلك الحديث ما أراده , وقد تحقق له بحيث أصبح حديث الجميع , فإذا خبا أذكاه الشاعر بطريقته المحتالة .
وتفنن ابن النائب الضفدع في التأويل والتخمين والحسابات , وكنت ألاحظ اهتماما بما يقوله ابن النائب من قبل الشاعر .
وصمت الجميع عند حد من الكلام كان كل واحد منهم يعرف أنه منطقة فاصلة بين الرعب والأمان . كنت ألاحظ باب المنظرة . كانت الشريفة حفصة تختلس من وراء صاحبي , ترمقني بنظرها , تريد التأكد من تقديمي الرسالة للشاعر . وأظهرت عدم الاكتراث بها وبرسالتها وبالشاعر , وتناولت كأسا مما قدمه لي الشاعر بعد إلحاح منه ومن ابن النائب الضفدع وتجرعتها بإحساس من المرارة والتقزز كبته بصعوبة . ومع ذلك فقد كانت كأسا جعلتني أتعالى أكثر وأزهو بنفسي وألعن الكون كله ومن فيه إلى هذه اللحظة .
وشربت , شربت الكأس الثالثة المقدمة لي بإلحاح من الشاعر ومن ذلك الضفدع الآدمي . لم أعد أتذكر من مجلسنا سوى بعض لمحات , كقيام ابن النائب بالرقص مقلدا كما قال لسامية جمال و تحية كاريوكا .
كان يهز وسطه وقد أخذ لحفة أحد الأصدقاء وربطها بخصره المكتنز , ثم شعرت بأنه يغني كما قال لفريد الأطرش . وأتذكر بأن الهرج والصياح والحديث الصاخب قد زاد . أذكر أيضا أن صاحبي كان يقدم أطباقا من اللحم المشوي المحنوذ شهي الطعم , وكنت أتناول القطعة تلو الأخرى بنهم وشهية مفرطة , وكان صاحبي على ما أذكر يحاول أخذي من ذراعي ولم أطاوعه , أذكر نظرات الشريفة حفصة الغاضبة وهي تتابع المشهد من باب المنظرة .
وقدم لي الشاعر كأسا أخرى على ما أذكر ولا أدري كيف أمسكت بها , وهل شربتها أم أنها انساحت على ثيابي , كل ما أذكره أن يده قد كفت عن عادتها السيئة , وخيل إلى بأن النائب نفسه قد وصل فجأة وبيده زجاجة طويلة العنق بيضاء اللون والمحتوى , وكنت قد وقفت بهبالة احتراما لمقدمه كما تخيلت , وقد جذبني الشاعر من يدي لأرتمي بجواره كما كنت , وقدم لي كأسا أخرى أذكر أنني لم أستطع الإمساك بها , فتركتها بيده حتى ضجر منها فشربها , وجلس النائب والعرق يتصبب من صلعته إلى أوداجه المنتفخة ليبلل ذقنه الخفيفة , وصب له كأسا من زجاجته المفضلة كما يبدو وعادلها بماء تحولت الكأس بعدها إلى لون لبن بقرة دسم !
أتذكر أنني لم أشبع في حياتي كتلك الليلة . ويبدو أنني نهضت لقضاء حاجة فشعرت بأنني أترنح , وبأن الوجوه التي أمامي أصبحت مزدوجة , شعرت بأنني قد وصلت إلى حالة سيئة , كنت أقذف بجسمي أو أن جسمي هو الذي يقذف بي في درجات السلالم دون ترو , ثم أقف محاولا جمع شتاتي متلفتا حولي . وأذكر بأن الشاعر , ولا أدري ما هو الدافع , هب لمساعدتي على نزول الدرجات الحجرية , لكنني أتذكر أنني هويت بيدي اليمنى على خده بصفعة قوية سمعت صداها بأذني فصر بأسنانه وعاد إلى المنظرة .. بينما اتجهت إلى ساحة القصر نحو الفسقية وأنا أحاول التصفير بلحن شعبي دون جدوى , فارتميت على حافة الفسقية , ولم أشعر إلا بصاحبي ينزعني نزعا ويضطر إلى سحبي لداخل الغرفة .
وكانت ليلة .. ليلة لم تمر في حياتي مطلقا , وكم ساعدني صاحبي لإفراغ ما بجوفي . تذكرت كل ذلك في صباح اليوم التالي , كان رأسي ثقيلا ونفسي تدعوني للتقيؤ من جديد . كان الغثيان والصداع قد سيطرا على حالتي , وانتابتني هواجس مؤلمة , وكآبة مقيتة علتني واحتلت وجداني لفترة لاحقة . كم شعرت بالخجل , وكيف سأخرج من الغرفة وأواجه كل من عرفته وعرفني في تلك الليلة , حتى صاحبي الذي كان قد غادر فراشه مبكرا حسب عادته قبل قيا مي , كيف سأقابله وأعتذر له , وتداعت على هموم عديدة وغمرني الحنين إلى أسرتي بشكل مكثف , لكنني بعد ترو لممت كل ذلك لمواجهة الواقع الذي قذف بي فيه كأنني غريق أصارع الأمواج متشبثا بقشة !
مر ذلك اليوم كأنه دهر وأنا في حالة قلق وغم ونكد .. أصارع قلبي وعقلي ونفسيتي المرهقة التي باتت تدفعني حثيثا لممارسة كل ما يمارسه صاحبي وزميلي وصديقي من أشياء لم أقبل الإقدام عليها ولا حتى مجرد التفكير فيها منذ أن وطئت قدماي هذا القصر وملحقاته ومن فيه , ولكني بألم بالغ ومذل حاولت جهدي أن أخرج من هذه الدوامة بأي حل , ولكن دون جدوى , فقد حصل ما حصل وكأنه بذرة تحول في مساري .
وكان صباح يوم , انفرجت أزمتى فيه بأزمة أخرى لحادث وقع في محيط القصر واعتبر فضيحة فاحت رائحتها لتغطي على ما كنت أعتقد بأنه فضيحة ارتكبتها أنا في تلك الليلة المشؤومة من ليالى الشريفة حفصة ! وكما يقال مصائب قوم عند قوم فوائد . فقد تم نقل الطبشي العجوز إلى الطبيب الإيطالي الوحيد في المدينة . كان الطبشي كثر الله خيره وشفاه , قد هشم رأسه الأصلع وسالت الدماء منه وفقد وعيه إثر ركلة عنيفة من حافر بغلة النائب الصغيرة القوية المسماة زعفرانة !
ولاكت الألسن في القصر بل وفي المدينة سيرة ذلك الحادث , وأصبح موقف الطبشي العجوز محرجا حتى بعد تماثله للشفاء وعودته إلى زملائه العساكر ! ومس ذلك الحدث جميع رفاق العجوز من زملائه العسكر , بل ومس سكان القصر بمن فيه , وخصوصا أن الحادث قد وصل إلى ولي العهد السيف . وأمر النائب سياسة الخاص بخياط فرج البغلة والبهائم الأخرى ! ضحك صاحبي وهو يقول معلقا :
- كان على النائب أن يأمر بخياطة فروج نساء القصر ! لم يعجبني مباغتة ذلك التعبير , ولو أنه أضحكني , ومع ذلك فقد سررت بأن هنالك موضوعا قد طغى على حدث تلك الليلة الخاص بي !
بعد يوم عمل شاق اتجهت مع صاحبي وقد دفعته إلى جولة في إصطبل البغال والحمير .. ولجنا الباب , كان السائس العجوز يقدم للبغال العلف والقضب , ويمسح ببرشانة حديدية مدببة الأسنان ظهور البغال لإزالة الشعر الميت وقتل الحشرات المؤذية المختبئة . كانت الزعفرانة تهش بذيلها الذهبي الذباب من على فرجها المكتنز الأملس الجميل , وقد تكاثر الذباب حوله إثر تلك الخياطة القاسية التي أمر بها النائب والتي تركت بعض تقيحات وجروح . تأملتها , أعني الزعفرانة , نافرة ومغرية فعلا رغم ذلك , كأنها الشريفة حفصة ! قلت لصاحبي :
- لا ألومه إذا أقدم على ما أقدم عليه !
- أتعني الطبشي العجوز ?
- نعم .
- كان لديه في القصر عوانس كثيرات !
- إنه عجوز , ولن تقبله أي واحدة منهن .
- كان سيجد .
- لا أعتقد , وخصوصا بوجودك ووجود المتصابي البورزان , وبقية العساكر الشبان !
- ونسيت نفسك , ألست منا !?
- أنا هائم بواحدة فقط , ولن أصل إليها مطلقا .
- الشريفة حفصة ?!
- الشريفة الزعفرانة . وضحك ملء شدقيه , وقد أطربه ذلك التشبيه !
سارت الأمور بيني وبين الشريفة حفصة شبيهة نوعا ما بالخصام الصامت . لم تكن تبدي أي اهتمام بي , ولا أنا أيضا رغم غليان قلبي بخفقاته الساذجة الضعيفة التي لم أستطع السيطرة عليها أو إخفاءها وتضميدها . كانت تقول لي : افعل هذا , هات هذا , خذ هذا .. اذهب إلى ذلك المكان , انصرف .. عد . وكنت أجيب إذا لزم الأمر , فأنطق : حاضر ! وذات يوم من أيامنا العابسة الغاضبة , لا أدري كيف فاجأتني متسائلة :
- لماذا صفعت الشاعر ? أثارت بتساؤلها الخبيث أعماق مشاعري فقلت :
أثارت بتساؤلها الخبيث أعماق مشاعري فقلت :
- ما أسهل الصفع في هذا القصر ! وعبست مكشرة , وتخيلتها فعلا تحمل ذيل البغلة الزعفرانة الذهبي اللون تهش به " بنرفزة " واضحة وتتهيأ لركلي بقدميها , فانصرفت !
مارست مع صاحبي جميع هواياته ورذائله القذرة , واندمجت في عالمه الغريب حتى كاد يغار مني ! فقد تعلقت بي النسوة المتعددات المواهب والمتنافرات أشكالا وألوانا وأعمارا وقد سئمن من صاحبي لسعاله الشديد ونحوله الشاحب , وخوفهن من ذلك المرض المرعب .
كدت أشفق عليه , بل أشفقت عليه فعلا وهو يتلوى في مكانه كحية جريحة , وقد تحول سعاله إلى فحيح مكبوت لكي لا يزعجني , كنت أوهم نفسي وباقتناع تام بأنني أدرأ عنه أعباء لم يعد قادرا على تنفيذها ومواكبة السير فيها كما كان في أيامه السابقة . ومع ذلك أحسست باحتقار لنفسي ولمسلكي المشين !
وكان عليه لقربه من باب الغرفة عبء فتحه لكل طارق , وكم كان يتألم بأن يجد الطارق يريدني أنا ولا يريده , حتى النائب لم يعد يريده لفرك رجليه وقدميه , كان النائب يفضلني للقيام بتلك المهمة !
تألمت لهذا الوضع المقلوب الذي تحول نحوي , وزادني ألما ذات يوم حين أخبرني به ونحن عند البوابة الرئيسية للقصر مع العساكر والبورزان وذلك الطبشي العجوز نتناول طعام الإفطار كالعادة حيث قال لي :
- عليك اليوم مرافقة الشرائف إلى قصر ولي العهد . كانت تلك مهمته دائما منذ وصلت إلى قصر النائب وحتى الآن , ولا أدري ما الذي عكس الأمور , فقلت له مواسيا :
- أهذا اقتراح الشريفة حفصة , أم هو أمر ?
- .. ربما ا اقتراح الشرائف كلهن , وهو أمر على كل حال صادر من النائب كما بلغت به .
أخرجت اللقمة من فمي قبل أن أمضغها وقذفت بها , وقمت متألما وقلت محاولا أن أوحي له بأن الأمر عادي ولا يهمني وإنما يزيدني تعاسة :
- أنت أخبر مني بهذه الرحلات , وخصوصا إلى قصر ولي العهد . أجابني وقد فرش ابتسامة باهتة على شفتيه :
- لكل عصر رجاله !
- هذا تعذيب متعمد لي منك !
- لا ..
- بل وجرح لمشاعري !
- لا أقصد .
- وقتل صامت لي !
- لا تفكر في هذا .
- لقد أغويتني , هذا صحيح ! ولكنك لن تغويني لارتكاب خيانة وبأنانية مفرطة .
- لم أغوك مطلقا , فأنت مالك نفسك .
- بل أغويتني .
- بماذا ? !
- .. بالكثير من الأمور , أتريد أن أذكرك ببعضها ?
- لا أتذكر شيئا , ومع ذلك فلا تدع الأمور في ذهنك تصل بك إلى سوء الظن هذا .
- أنت سيئ الظن بي .
- معاذ الله !
- تجرحني يوميا .
- ما شاء الله !
- أعوذ بالله ! ?
- هذا يكفي .
- لا .
- أصبح الجميع ينظرون إلينا ونحن نتجادل !
- لا يهم .
- أرجوك لا ترفع صوتك .
- بل سأفعل ذلك .
- لماذا كل هذا الإزعاج ? !
- لكي تعرف أنني أحبك كأخي الذي فقدته منذ زمن طويل .
- لا يهم , أنا أخوك , اعتبرني بمقامه .
- منذ وصلت هذا القصر وأنا أعتبرك أخي فعلا .
- إذن لا داعي للتشنج !
- نعم .. وهل هو أنا ?
- إذن سأتشنج أكثر .
- مهلا ! وليكن ! ولكن لا ترفع صوتك هكذا .
- سأرفعه حتى يسمعنى النائب .
- أكيد قد سمعك !
- ويسمعنى من إليه .
- لقد التقطوا الصدى !
- ويسمعنى العالم كله .
- .. وتسمعك حفصة , الشريفة حفصة !
- .. حفصة أو الزعفرانة , لا يهم .
- .. لا داعي لكل هذا .
- لكي يعرفوا يا صاحبي بأنني لم أخنك مطلقا .
- انتهى الموضوع .
- لم ينته .
- بل انتهى , وقم بنا إلى الغرفة أخبرك بما هو واجب عليك .
- أي واجب ? !
- مرافقة الشرائف إلى قصر ولي العهد !
كانت أصغر زوجات ولي العهد تريد التعرف إلى نساء بيوت المدينة المشهورة , وبالتالي فنساء النائب هن أول المدعوات لهذا اللقاء .
وصلت سيارة البريد الوحيدة التي يملكها الإمام لنقل البريد من العاصمة إلى جميع المدن الرئيسية , وصلت السيارة إلى فناء القصر لنقل نساء النائب ومن ضمنهن الشريفة حفصة بالدرجة الأولى لأن زوجة الأمير سيف الإسلام ولي العهد تريد رؤيتها بالذات لما شاع عنها من أخبار وأعلام ترتقي إلى مقام الأسطورة المدهشة !
سلمت لي عدة حزم من القات المغلف بأغصان العثرب الخضراء . كان القات قد أحضر من مزارع النائب العديدة المجاورة للمدينة والتي يقوم بفلاحتها شركاؤه من الرعية البسطاء على ثلث المحصول .
كانت الحزم ثقيلة على كتفي , وقد ألزمت بوضعها في مكان مناسب في مؤخرة السيارة مع المحافظة على أن تظل مغلفة بأوراق العثرب الخضراء لكي لا تذبل أغصان القات من الحرارة .
تلك كانت أهم المهمات التي كلفت بها , إضافة إلى إسدال ستائر السيارة الرمادية بعد أن تكون النسوة قد جلسن بداخلها , وكذلك الوقوف في مؤخرة السيارة , حيث أرشدني السائق المشاكس كيف أضع قدمي على الحديد الأفقي في المؤخرة وكيف أمسك بيدي العمود المقوس في مؤخرة السيارة , وقد أجريت بعض التجارب قبل خروج النسوة من القصر وقبل أن يعلو حوارهن الصاخب ويسمع بدرجة عالية ليغطي على صوت محرك السيارة وبوقها الملتهب !
ما أصعبها من مهمة كلفت بها دون خيار ! وخصوصا أنني سأركب لأول مرة في حياتي سيارة , وبالذات في مؤخرتها واقفا متشعبطا بين الحياة والموت ! ومع ذلك فقد علتني نوبة من الحماسة والفرحة للقيام بهذه المهمة . وكنت أعتبرها رحلة مثيرة فعلا , فلأول مرة سأركب سيارة تخن بذلك الصوت المفزع الذي يقلده الأطفال بأفواههم دائما منذ شاهدوا سيارة البريد الإمامية الوحيدة تصل مدينتهم , وسأتعرف على قصر الأمير سيف الإسلام ولي العهد الجديد الشامخ الذي اختاره ولي العهد مقرا لقصره الكبير .
سأتعرف على أشياء جديدة لم أعرفها من قبل , سأتعرف على عكفة ولي العهد بلباسهم الأزرق وأسلحتهم الحديثة الألمانية الصنع , كذلك عبيده السود المرد ذوي الأنوف الفطس والأجسام الطويلة المهابة ! سأتعرف أيضا على الأسود والضباع والنمور الكاسرة الرابضة في أقفاصها الحديدية داخل بهو قصر ولي العهد , وسأتعرف كذلك على ذلك الحيوان العجيب , الذي يطلقون عليه اسم الوضيحي أو المهاء العربي , والذي يقال عنه بأن له قرني وعل ورأس معزة وفم جمل وحوافر حمار وجسم بقرة وذيل حصان , وله جلد ملون الشكل بجميع ألوان الحيوانات وبأن مخلفاته من نفايات عجيبة الشكل واللون ذات رائحة عطرية !
كنت أعرف من خلال ما قد سمعته بأن ولي العهد يحتفظ بهذه الحيوانات الكاسرة في مطابقها الحديدية المطلة على ساحة القصر لكي يتسلى بها عندما يلقي في بعض الأوقات ببعض من خصومه إلى أقفاصها , وبأنه كان يتلذذ برؤية ذلك المشهد الذي تقشعر له الأبدان ويشيب له الولدان , على حد تعبير جدتي رحمها الله !
هذا ما دفعني للمغامرة بالقيام بمرافقة نسوة النائب , ولعلمي بأن الشريفة حفصة ستكون إحداهن , وبالتالي سألاقي منها إحراجات وتعنتات ومواقف أنا في غنى عنها , ومع ذلك فهي مغامرة لا بد أن أخوضها , كان قلبي يخفق لمجرد اليقين بأن الشريفة حفصة ستكون من ضمن النساء !
كانت سيارة البريد مغطاة من الأمام بقفص خاص بالسائق وراكب بجواره فقط . أما من الخلف الواسع فقد كانت مغطاة بقماش خشن رمادي اللون تتخلله من جانبيه بعض نوافذ بلاستيكية صغيرة معتمة لا تسمح للضوء بالدخول بعامل تقادم الزمن ! وكانت الفتحة الخلفية للسيارة هي التي سيدخل منها النسوة , وعلى إسدالها بعد ذلك .
كان السائق عجولا يحث بواسطة بوق سيارته الجميع للصعود , وكان قد ركب بجواره في مقدمة سيارة البريد أحد الخاصة من رجال النائب الذين يثق بهم ويركن إليهم في المحافظة على نسوة القصر !
وأمرني السائق بفتح الستارة الخلفية بصوت وقح نزق لكي يصعد منها النسوة بواسطة درجات حديدية مثبتة على صدام السيارة الخلفي .
انفعلت غاضبا لوقاحته , وزادني إثارة وقوفه المبتذل بجانبي يتطلع إلى وجوههن ويتمتع برؤيتهن ويكاد يلتهم بنظره أجسامهن !
ولا أدري كيف واتتني الشجاعة , وربما الغيرة فنهرته منبها إياه لمسلكه هذا . فعاد إلى مكانه في مقدمة السيارة غاضبا تعلوه فترة اشمئزاز موجهة نحوي تحملتها برغم احتقارها لي من نظراته الشرسة العدوانية .
وصممت على موقفي ونفذته رغم كل تعاليه المقيت واعتباره إياي مجرد دويدار و رهينة في قصر نائب من نواب مولاه الإمام ! كانت يدي اليسرى رافعة لستارة مؤخرة سيارة البريد , ويدي اليمنى متأهبة لمساعدة أي من النسوة على الصعود إلى داخل السيارة وخصوصا إذا كانت إحداهن عاجزة لكبر سنها , وما أكثرهن في قصر النائب وملحقاته ! وبدأ صعودهن , حتى نساء الجيران , أعرفهن كلهن كانت حواسي وكل وجداني , ودقات قلبي الساذجة تدق بسرعة عند توقعي وصول الشريفة حفصة وصعودها من أمامي إلى السيارة
هل أنظر إليها ! هل أجاملها ببشاشة إذا ما تكرمت بالنظر إلى وابتسمت إذا قدر الله ? هل أقدم لها خدمة ذاتية إذا أتاحت لي الفرصة لعمل ذلك ? أساعدها على الصعود , أهتم بشرشفها من الاتساخ , أوسع لها المكان المناسب داخل سيارة البريد , مثلا ! ? أفرش لها بعضا من ثيابي تحت كرسيها الحديدي , أنتشل حذاءها إذا سقط وأعيده إلى رجلها البضة ? ماذا سأفعل لها , وماذا ستفعل بي ?
ومرت العملية بسلام , صعدن بانتظام , وعندما حاولت الشريفة حفصة الصعود انزلقت قدمها اليمنى إلى الأرض فاختل توازنها مما جعلني أندفع تلقائيا لاحتضانها بخوف ووجل .. وحملتها مساعدا لها للنهوض إلى داخل السيارة .. لا أدري كيف غاصت يداي في ثنايا جسمها كأنني ألمس شيئا خرافيا مهيبا لذيذا اهتز جسمي كله له , وكانت مهتمة فقط بإصلاح شرشفها وزينتها
لا أدري كيف أفلتت مني ابتسامة , قابلتها بأن كشرت بهيبة كأنها نمرة بكر . ارتاح قلبي ووجداني وجميع أحاسيسي , فقد عملتها الشريفة حفصة حركة لكي تربكني , وأضمها بين ذراعي !
هذا ما اعتقدته وهو صحيح منطقيا , لكنها لا تريد أن أصدق ذلك , وكيف لا أصدق ذلك وهي الشابة القوية الوحيدة من مجموعة نساء قصر النائب , وقد طلعن كلهن بلا حادث على الإطلاق , وهي الوحيدة التي تتعثر على درجات السيارة بينما غيرها وهن عجائز لم يحدث لهن شيء ?
انبسطت أساريري ونفسيتي لهذا الموقف , وأسدلت الستارة الغليظة على مؤخرة السيارة لكي أكتم أنفاسهن , ثم تشعبطت كما وجهني السائق النزق من قبل أن أختلف معه , وقد أعطيته الإشارة بالمغادرة , وإن كان قد سبقني للتحرك قبل ثوان , مما كان سيؤدي إلى سقوطي على ظهري إلى الأرض
تحركت السيارة لتخرج من بوابة القصر نحو المدينة ذات الشوارع الضيقة التي لم تكن في الحسبان أنها ستمر بها آلة ذات إطارات أربعة تقل أكثر من شخص أو شخصين ! ومرقت بنا السيارة من الباب الكبير للمدينة لكي نتسلق بعد ذلك عقبة مرصوفة بالحجارة السوداء , شقت بهذه الطريقة منذ مئات السنين منذ عهد الملكة أروى والمعدة للقوافل .
ما زلت متشعبطا حسب توجيهات السائق النزق قبل اختلافي معه , ولكنني شعرت بالإعياء نفسيا .
وفتحت الشريفة حفصة الستارة الغليظة بعصبية كادت أن تربكني لأسقط منبطحا على الأرض لولا أنني تماسكت .
ونظرت إليها بحزم محاولا إعادة الستارة الغليظة على ما كانت عليه , فصاحت في وجهي :
- دعها مفتوحة , حتى نشم قليلا من الهواء !
وارتبكت لصوتها الذي يستولي على كل حواسي , وجاهدت لكي أزيح الستارة الغليظة إلى سطح السيارة مما أدى إلى ترنحي وكدت أقع إلى الأرض , فصاحت بالسائق بأن يقف مشركة يدها بالدق على نافذته الزجاجية ومكررة نداءها القوي له قائلة :
- أوقف السيارة .
وتوقف السائق النزق لصوتها الآمر الذي لا يرد وهو يتساءل عن السبب , فقالت بحدة :
- أتريد قتل الرهينة , الدويدار ?
- معاذ الله !
- دعه يدخل ليجلس بيننا .
وتململ المرافق الخاص الجالس بجانبه بالموافقة له بذلك فقال السائق :
- فليدخل يا سيدتي !
وأمسكت الشريفة حفصة بتلابيبي وجذبتني إلى جانبها وأنا في غاية الخجل لهذا الموقف ! كانت الطريق وعرة وحركة السيارة مهتزة .. وجسمها يحتك بجسمي وأنفاسها تلدغ خدي .. وتقيأت بعض النسوة وبعضهن اندمج في حديث لم استوعبه , لكنها لم تكن معهن مشتركة . كانت تنظر إلى وتبتسم ثم تكاد تضحك , بل انفجرت بضحكة بعد ذلك مدوية صمتت إثرها النسوة عن التقيؤ والحديث ونظرن إليها باستغراب , وخيل إلى أنهن نظرن إلى أيضا , ولم تعرهن اهتماما فبدأن بالحوار من جديد ولو أنه حوار ملفق !
كان العرق يتصبب من وجهي بغزارة ويكاد أن يبلل جميع ثيابي . قالت وقد لكزتني بكتفها :
- ما لك هكذا , كالأهبل ! ?
ولم أجب , وبللت شفتي بطرف لساني فقالت :
- صامت كأنك صنم !
- ... لأول مرة أركب سيارة .
- أتشعر بالغثيان ?
- لا أدري . ومدت إلى وجهي بطرف من شرشفها وهي تضحك وتهمس ساخرة :
ومدت إلى وجهي بطرف من شرشفها وهي تضحك وتهمس ساخرة :
- أتريد أن تتقيأ مثل بعضهن !
- إذا لزم الأمر سأفعل ذلك خارج السيارة . وغضبت فجأة قائلة :
- ما لك هكذا ? كأنك جالس فوق جمر !
- وأكثر
- ... تعرف كل من في السيارة ! أليس كذلك ?
- لا أنكر , أعرف معظمهن .
- تتصنع بالخجل والحياء ?
- لا أتصنع شيئا من ذلك .
- ستقول بأنك هكذا , منذ خلقت !
- نعم .
- لا تضحك على , خبرني من منهن لم تضاجعها ?! لم أجب , فقالت :
- أهي تلك ابنة عم النائب ? أو تلك التي تنظر إليك باشتهاء ? هي أحد أفراد الأسرة , لكنها تسكن الريف ! أجبتها وأنا أود لو أتمكن من الوثوب من السيارة إلى الطريق :
- أرجوك , لا تحرجيني أكثر من هذا .
- هل قلت شيئا كاذبا ?
- سأنزل الآن من السيارة .
- مستحيل ذلك , فسأتبعك .
- لكني لم أعد أطيق مثل هذا الهذيان .
- أتجسر على قول هذا ?
- هي الحقيقة .
- وتؤكد ذلك لي , وأنا أخت النائب , الشريفة حفصة
- ... تعاملينني كطفل ساذج .
- أريد أن أراك رجلا !
- أنا رجل .
- لم تبرهن على ذلك مطلقا !
- ... أتريدين أن أكون فاسقا ?
- معاذ الله يا سيدي فضيلة الوالد العلامة ! ?
حمدت الله على وصولنا إلى قصر ولي العهد , حيث وثبت سريعا لكي أفسح المجال للنسوة بالنزول من السيارة .
كنت أتوقع أن تنزل على إثري الشريفة حفصة لقربها من الباب بجواري , لكنها تأخرت إلى النهاية .
- لا تغب عنا فنحن في حاجة إليك . وبعد تناول الغداء أحضر القات . ألقت كلامها كأمر صارم وجل له السائق النزق وحتى المرافق الخاص وحاول بعض النسوة الأخرىات تقليده وتكراره فلم يكن لمحاولتهن ذلك صدى , سوى استهزاء السائق النزق الواضح بهن !
ومكثت في ساحة قصر ولي العهد والقات معي ولا أدري ماذا أعمل , كنت أشاهد عكفة سيف الإسلام ولي العهد الحرس الخاص يتمخطرون بزيهم التقليدي الأزرق اللون وصياحهم الدائم . كان المرافق الخاص الذي جاء معنا وهو عجوز , قد تقرفص بجوار حائط واتكأ على حجر وبدأ يتناول القات قبل أن يتغذي , ولا كلام لديه فهو صامت , فقد أحسن النائب اختياره لمثل هذه المهمات , لم يتعرف بي بالرغم من أنني أعرفه في قصر النائب , لم يحاول حتى مجرد إرشادي أو الحديث معي في أي شيء . تركته في مكانه المختار مرتاحا فيه واتجهت إلى الساحة الواسعة أبحث عن مكان الوحوش , أريد أن أعرف أشكالها . كنت قلقا على القات الذي تركته بجوار المرافق العجوز فلا بد أن يأخذ منه خلسة لكي يواصل ارتياحه في مكانه المختار , كم هو شغوف بالقات حتى على حساب غذائه !
وصلت إلى أقفاص تلك الوحوش الكاسرة , أسود ونمور وضباع , هذا كل ما يحويه حوش سيف الإسلام ولي العهد من حيوانات كلها تمثل البؤس والرعب . كنت أبحث عن ذلك الحيوان العجيب المسمى بالوضيحي , وقد عرفت بعد ذلك بأنه المهاء , اندهشت حين قال لي أحد العكفة بأنني سأجده خارج بوابة القصر يرتع بين الناس المنتظرين أي إفادة من ولي العهد لقضاياهم التي جاءوا من أجلها وبعضهم من أماكن بعيدة .
مللت التسكع في جوانب القصر وقد شعرت بأنني كالغريب . وأثناء ذلك أقبل نحوي عبد أسود كأنه الليل الحالك ضخم الجثة , يلبس لباس العكفة وبجواره فتى جميل , أدركت أنهما يبحثان عني .
واتضح لي بأن ذلك الفتى الجميل هو دويدار سيف الإسلام ولي العهد الخاص , غلام بض الجسم , جميل الشكل , نظيف الملبس , قال لي متسائلا :
- هل أنت دويدار بيت النائب ?
لم أكن قد شعرت بأن لفظة الدويدار تصفعني في أي يوم كهذا اليوم !
هززت رأسي على مضض , فقال بعد أن تفحصني :
- يبدو أنك رهينة من القلعة ! ?
هززت رأسي مرة أخرى , فمط شفتيه إلى أعلى ثم قال :
- ليس مستحبا أن يكون الدويدار من الرهائن ! قلت بارتياح :
- فعلا . وكتمت كلاما سأقوله , لكنه قاطعني قائلا :
- لأنهم سيئون ومشاكسون ويهربون دائما ! طرقت مسمعي بانتباه كلمته الأخيرة فابتسمت أسأله :
- ماذا تريد ? قال بتخبث واضح :
- أنا ? لا أريد منك شيئا ! الشريفة حفصة أصرت على باستدعائك , ولا أدري ماذا تريد منك ?
- إذا كانت تريد القات فقد تركته عند المرافق الخاص العجوز .
- لقد أخذناه من قبل , هي تريدك شخصيا . اتجهت خلفه والعبد الأسود خلفنا . كنت ألاحظ حركات جسمه الرخو من خلال ثوبه الحريري الشفاف , يبدو أنه لم يعد يتصنع تلك الحركات المائعة فقد أصبحت منتظمة لديه وطبيعية وعادية !
اخترق بي ممرا طويلا ثم وصلنا إلى بهو مكشوف تهمس فيه أصوات مياه الشذوران الصافية وسط فسقية مدورة وواسعة أكبر بكثير من فسقية قصر النائب , وبداخلها زورق صغير يعوم فيه فتى وسيم في الثالثة عشرة من عمره تقريبا .
واقترب هذا الفتى بقاربه نحونا , ومد يده إلينا . انتظرت بأن يقوم الدويدار الخاص بولي العهد أو عبده بمساعدة الفتى لارتقاء حافة البركة من القارب , ولكنهما لم يأبها له , فقدرت أنه من الواجب على مساعدة فتى يطلب العون على الصعود من البركة , فمددت يدي إليه لكي أجذبه مساعدا إياه على الصعود , وفجأة أطبق على كفي وجذبني بعنف فسقطت وسط البركة بجميع ثيابي وأصبت بحالة مربكة داخل الماء . كدت أن أختنق لتسرب الماء إلى حلقي وأنفي , وقد ساعد على ذلك ابتلال ملابسي مما أعاقني عن التخلص من الغرق والعودة إلى حافة البركة .
واستطعت أن أضبط النفس وأتحكم في حالة الغرق بعد ذلك , وعلتني موجة من الغضب لهذا الموقف السخيف الذي ضحك له ذلك الصبي الطفل المدلل وجامله الدويدار الخاص بولي العهد المخنث وعبده الأسود العملاق .
كان لا بد أن أقلب القارب رأسا على عقب ومن بداخله , وقد فعلت ذلك وبعنف , وتركت الصبي المدلل يتخبط مع قاربه وسط الماء بينما صاح الدويدار مستنجدا فهب , بعض عكفة وعبيد ولي العهد نحونا , ودهشت لوثوبهم جميعا بملابسهم وأسلحتهم وذخائرهم إلى وسط البركة لكي ينتشلوا ذلك الصبي المدلل الذي كان يتأوه بصوت مفزع يطلقه من أحشائه .
كنت مشغولا بعصر ثيابي من الماء وهي ما زالت على جسدي , وفجأة شعرت بلطمة غادرة ومركزة على أذني اليسرى وبقية خدي طار لها صوابي وتجاوب صداها المزعج في جميع مرافق رأسي .
وتلفت حولي فاتضح لي بأن تلك اللطمة قد قام بها ذلك الصبي المدلل فأمسكت بتلابيبه وانهلت عليه لطما وركلا بعد أن بطحته أرضا وكدت أدوسه تحت قدمي لولا تدخل العكفة والعبيد .
تحول ذلك اليوم الذي كنت أعتقد أنني سأتمتع به وأتعرف من خلاله على أشياء جديدة أو على الأقل أغير جو دار النائب الكبير وملحقاته ومن فيه !..
تحول ذلك اليوم إلى يوم شؤم ومتاعب لم أكن أتوقع حدوثها , ولم تكن تخطر ببالي كنت أتوقع أن أسقط من على خلفية سيارة البريد , أن أضيع بعض حزم القات , أن أصطدم بالشريفة حفصة وبإحراجاتها , أن أقابل مثلا الشاعر الوسيم , والذي لا بد أن يعاملني بقسوة وإذلال !
كنت أتوقع مثلا أن تلتهمني وحوش سيف الإسلام ولي العهد الكاسرة وأنا أتفرج عليها ! لكنني لم أكن أتوقع أن يؤذيني صبي طفل مدلل وبهذه الطريقة كنت متوثبا للرد على أي اعتداء آخر متوقع , وخصوصا بعد أن أخذني بعض العكفة والعبيد إلى البوابة الخارجية للقصر وأدخلوني إلى مكان الحراسة كأنني سجين .
كنت متوثبا للرد على أي اعتداء آخر متوقع , وخصوصا بعد أن أخذني بعض العكفة والعبيد إلى البوابة الخارجية للقصر وأدخلوني إلى مكان الحراسة كأنني سجين . واتضح لي بعد ذلك أن الصبي الطفل المدلل هو فتى الأمير سيف الإسلام ولي العهد الذي يراه الدنيا بكلها !
قال لي كبير العكفة :
- ماذا فعلت يا مجنون ? !
- وماذا فعلت ?
- اعتديت على غلام مولانا ولي العهد
- كان هو المعتدي .
وصمت برهة ثم قال :
- أنت محبوس لدينا .
لم أجب , فاستمر وقد خفت صوته قائلا :
- حتى تستطيع الشريفة حفصة إنهاء الموضوع بطريقتها !
أثارني قول ذلك فقلت :
- وما دخل الشريفة حفصة بهذا الموضوع ?
- أنت غلامها الخاص وهي المسؤولة عنك !
غلام , صفة ثالثة أوصم بها ! فقلت :
- لست غلامها , وليست المسؤولة عني .
- عجيب قولك هذا !
- ما الغرابة فيه ?
- لقد قلبت الدنيا رأسا على عقب من أجلك , حتى أنها استطاعت مقابلة مولانا ولي العهد !
- وهل قابلت الشاعر ?
- من تقصد ? لا أفهم
- الشاعر الوسيم .
- آه , أتقصد الأستاذ ?
- أقصد الشاعر .
- نعم , الشاعر هو الأستاذ ! فهو يقوم بعض الأحيان بتدريس أولاد مولانا ولي العهد .
- ربما يكون هو
- .. إذا كنت تقصده , فقد وقف مع الشريفة حفصة مدافعا عنك .
تألمت لهذا الخبر , وخفت أن يشعر كبير العكفة بشعوري فقلت وقد لممت مشاعري محاولا نقل الحديث إلى موضوع آخر :
- من يكون هذا الغلام حتى أعاقب من أجله ?
- أولم تعرفه من قبل ?
- ولم أسمع عنه , فمن أين لي معرفته ! وابتسم قائلا :
- هو الوحيد من خلق الله الذي يحبه مولانا سيف الإسلام ولي العهد , ويفضله حتى على أولاده وزوجاته وكل شيء في الدنيا .
واسترسل بطيبة وشفقة بي , وعرفت أنه أحد أبناء سائقي ولي العهد وله جذور تمت إلى أصل تركي أو أن أمه من أصل تركي .. وقد تعلق به ولي العهد بحب غير طبيعي حتى أنني شممت رائحة دعاية بأن يكون هذا الغلام ابنا غير شرعي لولي العهد , وهذا ما هو مزعج للجميع !
فباستطاعة هذا الغلام ومنذ صغره أن يلعب مع ولي العهد في غرفته الخاصة التي لا يدخلها أبناؤه الخلص ولا زوجاته الجميلات , ويلبي له كل طلب مهما كان مستحيلا . حتى أن باستطاعته العبث بذقن ولي العهد وشاربه ! وباستطاعته أن يصيح ويزعق في مجلس ولي العهد الرسمي المهاب ويقلب ذلك المجلس رأسا على عقب !
وعرفت بعد ذلك , وقد هدأت نفسيتي , أن الحادث لم يصل إلى ولي العهد بالصورة المرعبة التي كنت أتوقعها , فقد استطاعت الشريفة حفصة وذلك الشاعر الوسيم إقناع ولي العهد بأن الحادث عادي واستطاعا حجب الضجة المثارة عنه والتي كانت قد عمت القصر كله .
كان المغيب قد دنا , وسمعت صوت كبير العكفة بعد ذلك يناديني بأن أخرج لكي أغادر سجنه لأركب مع النسوة العائدات على السيارة نفسها إلى دار النائب .
وثار الحديث داخل السيارة بين النسوة حول ما حدث وما فعلت , وصاح بعضهن في وجهي بأصواتهن الكريهة وقد كشرن عن أفواه قبيحة تبرز منها أسنان عطبة منحلة , وبعضهن بلا أسنان , كان موقفهن مني كأنني قد اخترقت السماء , وارتكبت جرما لم يرتكبه أي بشر منذ بدء الخليقة حتى هذه الساعة !
كنت قابعا بجوار الشريفة حفصة التي كانت قد جذبتني للجلوس بجوارها كما كنا ولم تدعني أركب مستقيما في خلفية السيارة .
كانت صامتة تنظر إلى النسوة وقد أفرغن كل كلامهن الغاضب على من لوم وشتم وقدح وتجريح انصب على رأسي , وهي ما زالت تبتسم فقط , وتضحك بعض الوقت , تلك الضحكة الساحرة لفؤادي ووجداني !
قالت إحدى النسوة :
- يا لطيف , لو علم مولانا ولي العهد بذلك لقلب الدنيا على رؤوسنا ! وقالت أخرى :
- مصيبة كبرى , وخصوصا إذا علم الآن سيدي النائب لقلب الكون علينا أيضا !
وقالت أخرى :
- فهو لا يرضى بما حدث .
وقالت أخرى :
- سترك يا رب , لقد كانت مصيبة فعلا والحمد لله أننا تخارجنا منها , حتى الآن .
وقالت أخرى :
- لا ندري ما هو الداعي لاستصحاب دو